هنري زغيب
هادئًا كان في مقعده، يتأَمَّل من نافذة القطار سُهولًا وبيوتًا وناسًا. تمنَّى لو يتوقف به القطار ليرسم واحدة من لوحات طبيعية تتوالى أَمامه. يمر قاطع التذاكر سائلًا عن تذكرة هذا الحالم. لا يلتفت ڤِنْسِنْت ڤـان غوخ. يمدُّ يده بالبطاقة فيما يكمل من النافذة تأمُّلَهُ مشاهدَ الناس والبيوت.
إِنه صباح الاثنين 20 شباط/فبراير 1888. كان ڤِنْسِنْت غادر ﭘـاريس عشية الأَحد، تاركًا فيها شقيقه الأَوسط تِـيُـو (تيودور: 1857 – 1891) مديرَ “غالري بُوسُّو” في مونمارتر. غادرَها متْعبًا من ضجيجها، وَوُجهَتُه شمسُ الجنوب في مرسيليا.
يتوقَّف القطار في بساط أَبيض جميلٍ تَنبُتُ منه سطوحُ البيوت ذارفةً ثلْجها حول المحطة. يصدر صوت من المذياع: “ها نحن في محطة آرْل – وقفةٌ 15 دقيقة، نكمل بعدها إِلى مرسيليا”.
من الثلج الحافي إِلى عطور الربيع
حمل الراكب حقيبتَه وعلبة الأَلوان وفراشيها، متشوِّقًا إِلى جرعةٍ من الشاي الأَزرق (الأَبْسِنْت) الـمُسْكِر الـمُخدِّر الذي يُدْمنه منذ فترة طويلة حتى بات يَهدُّ صحته. ترجَّل من المقطورة. فجأَةً قرَّر أَلَّا يكمل إِلى مرسيليا، وأَن يبقى في مدينة آرْل (قبل 90 كلم عن مرسيليا)، غير مدركٍ أَن القدَر يُهيِّئُ له فيه مأْساتين.
لوحة ‘نجوم فوق ضفَّة الرون’
لوحة ‘نجوم فوق ضفَّة الرون’
قضى أَيامًا يتنقَّل من فندقٍ إِلى غرفةٍ مستعارة، إِلى بيتٍ موقَّتٍ متسكِّعًا متجوِّلًا راسمًا مناظرَ، مشاهدَ، وُجوهًا، ملامحَ أَشخاصٍ بأُسلوبه الخاص الذي لم يُسعفْه في بيع لوحاته. أَرسل له شقيقه تِيُو من ﭘـاريس مبلغًا ساعده على استئْجار منزل، راح يرسمه بشغَفٍ وتكرَّر في لوحاته باسم “البيت الأَصفر”.
وبعد الشتاء في آرْلْ، وصل الربيع بباقات الحقول وأُضمومات البساتين. ابتسمَت شفاهُ الليالي عن نجوم تتكوكب كلَّ ليلة بثريَّات تغمز العاشقِين في سماء آرْل. أَخذ ڤـان غوخ يخرج ليلًا، حاملًا ريشته وأَلوانه، متفقِّدًّا نواحي غيرَ بخيلةٍ بجمال المدى عمقًا وفضاءً.
ولادة الثلاثية
أَحَبَّ ڤِنْسِنْت هذه المدينة فأَنتج فيها مجموعةً من أَجمل لوحاته، بينها ثلاثية “ليالي آرْل الـمُرصَّعةُ نجومًا”، رسمَها بأَلوان خالية تمامًا من الأَسْوَد مع أَنها في الليل. شرح ذلك في رسالةٍ إِلى شقيقته ڤـيليمينا: “هنا الليالي لا عتمةَ فيها. هي زرقاء وبنفسجية وخضراء، في مزيج يستعير الأَصفر فيتكامل المشهد وأَهرع إِلى فرشاتي أُسجل اللقطة الهاربة بجمال سكونها”.
لوحة ‘نجوم فوق ليل آرل’
لوحة ‘نجوم فوق ليل آرل’
تكرَّرت جولاتُه الليلية: يكتُب على قماشته البيضاء خطوط ليلٍ بدون ليل، تتغاوى في أَلوان رُقشاته ملامحُ غاب عنها الأَسْود كلِّيًّا، يتراقص فيها الأَصفر الهانئ مخاصرًا هنيهات الأَخضر الدافئ والأَزرق الهادئ.
ذات ليلةٍ “آرْليَّةٍ” ربيعيةٍ أَطل على مقهى رصيف، يسهر عند مدخله أَشخاص تحت مصباح مصفرٍّ ينير واجهة المقهى وبلاط الرصيف، ويمتدُّ بعيدًا حتى آخر الشارع . جعلَ يكرِّر زيارته الليليةَ إِلى ذاك المقهى، يركِّز مَلْوَنَتَه ويرسمه ويرسمه ويُعيد ويكرِّر ويُصحح حتى أَنجز اللوحة في صيغتها الأَخيرة (ليلة الخميس 16 أَيلول/سبتمبر 1888) وعَنْوَنها “مقهى الرصيف في صحو ليلة آرْل” وهي أُولى ثلاثيَّته.
وجعل ڤـان غوخ يتردّد ليلًا على ضفة نهر الرون القريبة من البيت الأَصفر، فيتأَمل النجوم المبهرجة، ينقلها بأَبجديته اللونية المميزة ورسم عاشقَين فيها، وسمّاها: “نجوم فوق ضفَّة الرون”، وهي ثانية الثلاثية.
المـأْساتان
لبَّى مراسلاتِه صديقُه ﭘـول غوغان (1848 – 1903) فوصَل إِلى آرْل مساءَ الأَحد 23 تشرين الأَول/أكتوبر 1888، وسكَن معه في البيت الأَصفر. فرِحَ به ڤـان غوخ، وراحا يتجوَّلان معًا في نواحي آرْل الغنية بالمناظر ويرسمان، يتسامران ويرسمان، يعانقان الليل ويرسمان، وڤِنْسِنْت مرتاحٌ إِلى وجود صديقه معه. ومن إِحدى تلك الجولات الليلية كانت لوحته “نجوم فوق ليل آرْل”، هي ثالثة الثلاثية.
لوحة ‘مقهى الرصيف في صحو ليلة آرل’
لوحة ‘مقهى الرصيف في صحو ليلة آرل’
كان يمكن أَن يَمضي شهرَا إِقامة غوغان هانئيْن مع صديقه ڤِنْسِنْت، لولا خصام ناجم عن مزاجيهما المتضادَّين، ليلة الجمعة 23 كانون الأَول/ديسمبر 1888 انتهى بشجارٍ حادٍّ أَدَّى إِلى رفْع ڤِنْسِنْت موسى الحلاقة في وجه صديقه غوغان الذي فرَّ مذعورًا خارج البيت الأَصفر. حزِنَ ڤِنْسِنْت وأُصيب بفورةِ جنونٍ مما فعَل، فأَدار الموسى إِلى وجهه وبَتَرَ به أُذْنه اليُسرى. أَخذ يصرخ ذعرًا وأَلَمًا فهرع إِليه جيرانه وحملوه إِلى مستشفى أُوتيل ديو في المدينة.
هاتان المأْساتان (الخصام مع صديقه، وبَتْرُ أُذْنه) غيَّرتا حياته الهانئة في آرْل. تدهورَت صحته، فبات يتنقَّل بين المستشفى والبيت الأَصفر. توحَّشَ مزاجُه حتى هجَّ منه جيرانه، وطالبوا السلطات المحلية بمغاردته المدينةَ، أَو بعزْله في مستشفى الأَمراض العصبية. بلغَ الخبرُ شقيقه تِيُو، فجاء حزينًا لمصير شقيقه التاعس، وأَخذَه صباحَ الأَربعاء 8 أَيار/مايو 1889 إِلى مصحِّ سان ريمي (بروڤـانس، قرب مرسيليا).
باقٍ في ذاكرة المدينة
هكذا انتهت، مأْساويًا، فترة 16شهرًا في آرْل، قضاها ڤـان غوخ بين بساط ثلْجها وصحو لياليها ومكانه المفضل فيها: مقهى الرصيف قرب البيت الأَصفر.
وحدَثَ أَنه، في إِحدى نوبات جنونه، صوَّب المسدس إِلى صدره ليلة الأَحد 27 تموز/يوليو 1890 وأَطلق منه رصاصةً قاتلة. ليلتَئذٍ غاب عن الوعي يومَين انطفأَ بعدهما صباح الثلثاء 29 تموز/يوليو قبل أَن يكمل ربيعه السابع والثلاثين (مولده الأَربعاء 30 آذار/مارس 1853).
وكي تحفظَ مدينةُ آرْل مرور ڤـان غوخ فيها، أَنشأَت موقعًا سياحيًّا إِلكترونيًّا بعنوان “على خطى ڤـان غوخ”، مهَّدت له بعبارة “هو الغائب الحاضر أَبْدًا. أَمضى عندنا 16 شهرًا. زوروا مواقعه على خطاه، واكتشفوا روائعه التي رسمها في مدينتنا.
وبين أَجمل ما يشاهده الزوار والسيَّاح من أَعمال ڤـان غوخ في هذا الموقع: ثلاثيَّتُه التي خلَّد بها مدينتَهم: “نجوم فوق ضفَّة الرون”، “نجوم فوق ليل آرْل”، وخصوصًا رائعته الخالدة “مقهى الرَصيف في صحو ليلة آرْل”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار