آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » الذهب بين نيويورك ولندن: من نزوح الأطنان إلى أزمة ثقة عالمية

الذهب بين نيويورك ولندن: من نزوح الأطنان إلى أزمة ثقة عالمية

 

أحمد عزام

 

بين سماء لندن وغياهب خزائن نيويورك، تتحرك طائرات مُحمّلة بما هو أثمن من أي ورقة نقدية: الذهب. ليس الأمر حركة تجارية عادية بل علامة صارخة على تحوّل في موازين الثقة المالية. حيث تبدأ البنوك المركزية وشركات الاستثمار الكبرى وحتى بعض الدول، بإعادة النظر في المكان الذي تُخزَّن فيه احتياطياتها الذهبية. يصبح الذهب أكثر من مجرد أصل استثماري… بل يصبح سلاحاً استراتيجياً وبياناً سياسياً.

 

 

 

من لندن إلى نيويورك: رحلة الذهب ليست بلا معنى

خلال الأشهر الماضية، أشارت بيانات مجلس سوق لندن للذهب (LBMA) إلى تراجع مخزونات الذهب في المدينة إلى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، حيث سجلت في فبراير 2025 نحو 8,477 طناً فقط، مقارنة بـ10 آلاف طن قبل بضع سنوات. وفي المقابل، سجّلت بورصة COMEX في نيويورك أعلى كمية ذهب مُخزنة في تاريخها، متجاوزة 43.3 مليون أونصة، أي أكثر من 1,347 طن.

 

 

 

هذه التحركات ليست محض مصادفة. بل تعكس نزوحاً واسع النطاق للذهب من أوروبا نحو أميركا. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما الذي يدفع المستثمرين لنقل الذهب من عاصمة الذهب التقليدية إلى الولايات المتحدة؟ والإجابة تكشف الكثير من ملامح النظام المالي الذي يعاد رسمه.

 

 

 

الفارق السعري ليس السبب الوحيد: حين تتحوّل التجارة إلى سياسة

أحد الأسباب الظاهرة لهذا النزوح هو الفارق السعري بين عقود الذهب في لندن ونيويورك، والذي يصل أحياناً إلى 10-15 دولارًا للأونصة لصالح COMEX . هذا ما يُعرف بفرصة “المراجحة” Arbitrage، حيث يُمكن للمستثمرين شراء الذهب في لندن وبيعه في نيويورك للاستفادة من فرق السعر.

 

 

 

لكن ما تحت السطح أكثر عمقاً. تصريحات دونالد ترامب قبيل الانتخابات- والتي قال فيها إنه قد يفرض رسوماً جمركية بنسبة 25% على الذهب المستورد إذا عاد للبيت الأبيض – دفعت المتداولين لتخزين المعدن الثمين داخل الأراضي الأميركية. هذا القلق من “تسييس التجارة” جعل من نيويورك، برغم كل الضباب السياسي، مكاناً أكثر أماناً لتخزين الذهب.

 

 

الطلب الأميركي يقفز… والذهب يهاجر استجابةً

بيانات حديثة من مجلس الذهب العالمي أظهرت أن الطلب على الذهب من صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) الأميركية قفز بنسبة 21% في الربع الأول من 2025 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. هذا يعني ببساطة: المستثمر الأميركي عاد إلى الذهب بقوة، إما بدافع التحوّط من التضخم، أو مخاوف الركود، أو حتى التغيرات الجيوسياسية.

 

 

 

وعندما يرتفع الطلب بهذا الشكل، تحتاج البنوك والشركات إلى الذهب المادي سريعاً. خزائن نيويورك أصبحت الخيار الأسرع للتسليم، بينما في لندن، ارتفعت فترات الانتظار من 3 أيام إلى أكثر من 6 أسابيع، حسب تقارير نقل المعادن.

 

 

 

هل تختفي “الثقة الورقية” من سوق الذهب؟

الذهب المتداول عالمياً يعتمد في غالبيته على ما يُعرف بالعقود الورق (paper gold)، حيث يتم بيع وشراء الذهب دون نقل المعدن فعلياً. لكن هذا النظام يعتمد على “الثقة” في أن الذهب موجود بالفعل، ولو طُلب في أي لحظة سيتم تسليمه.

 

 

 

لكن مع تزايد الطلب على التسليم الفعلي، بدأت تُكشف حقيقة مرعبة: ليس هناك ما يكفي من الذهب المادي لتغطية كل العقود الورقية. بعض التقديرات تشير إلى أن هناك ما بين 100 إلى 200 أونصة ورقية لكل أونصة حقيقية في الخزائن. هذا ما يبرر التحوّل السريع نحو الذهب الفعلي… والمكان الآمن لتخزينه.

 

 

 

السياسة تدخل اللعبة: الذهب كورقة جيوسياسية

ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان وقائع شهيرة، مثل مطالبة ألمانيا في 2012 باستعادة ذهبها من نيويورك، حيث استغرق التسليم أكثر من سنتين، وسط تكهنات بأن الذهب لم يكن متاحاً بالكامل أو تمت إعارته.

 

 

 

وفي حالات أخرى، مثل فنزويلا وتركيا، ارتبط الذهب بقضايا سياسية مباشرة، حيث مُنعت الأولى من استعادة ذهبها من بنك إنجلترا بحجج تتعلق “بالعقوبات”، ما أكد مخاوف الدول من أن الذهب المخزن في الخارج قد يصبح “رهينة” للقرارات السياسية.

 

 

 

وبالتالي، فإن نقل الذهب إلى نيويورك الآن ليس فقط بحثًا عن أمان اقتصادي… بل قرار جيوسياسي بامتياز.

 

 

 

خزائن تُفرغ… هل نعيش “نزوح الذهب الكبير”؟

وفقاً لتقارير رويترز وبلومبرغ، فإن كمية الذهب التي غادرت لندن نحو نيويورك منذ بداية 2024 تُقدّر بمئات الأطنان، كثير منها تم شحنه جوًا عبر طائرات مُؤمّنة مخصصة لنقل الذهب فقط.

 

 

 

وفي ظل هذه الهجرة، بدأت بعض الشركات تفكر جديًاً في فتح خزائن جديدة في وجهات بديلة مثل سويسرا وسنغافورة ودبي، ما يهدد مركزية لندن التقليدية كسوق ذهب عالمي.

 

 

 

الذهب كإشارة على نهاية مرحلة نقدية؟

التحول من الذهب الورقي إلى الذهب المادي، ومن لندن إلى نيويورك، ليس مجرد حركة تجارة أو استجابة لحوافز سعرية. بل هو انعكاس لتحوّلات أكبر:

 

• تراجع الثقة في النظام المالي التقليدي.

• تآكل دور الدولار كعملة احتياطية وحيدة.

• تصاعد أهمية الأصول الملموسة مقابل الأصول الافتراضية.

 

وبينما تسعى البنوك المركزية لتأمين احتياطياتها، يبقى الذهب هو الأداة الوحيدة التي لا تحمل ديوناً، ولا تحتاج إلى وسيط، ولا تُعاقب سياسيًا في حال تخزينة داخلياً. وهذا ما يجعله في أوقات الأزمات مهم، ويعود إلى قلب اللعبة النقدية.

 

 

 

هل نعيش لحظة ما قبل الانفجار؟

 

 

الذهب لا يصدأ… لكن الثقة تفعل.

إن ما نشهده اليوم من سباق لإعادة تموضع الذهب بين لندن ونيويورك ليس فقط شأناً استثمارياً. إنه تحوّل في جوهر ما نعتبره “آمنًا” في النظام المالي.

ربما لا تعلن الأزمة المقبلة نفسها بصوت عالٍ. لكنها بدأت بصمت… مع أول طائرة أقلعت من لندن محمّلة بأطنان الذهب.

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسوم ترامب… رقم قياسي للذهب والنفط يهبط

  حطّم الذهب رقماً قياسياً جديداً الأربعاء بعد الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على سائر دول العالم، إذ تجاوز سعر الأونصة 3150 دولاراً. ...