ريم هاني
متجاوزاً توقّعات الخبراء إلى حدّ كبير، مضى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تسعير الحرب التجارية التي لم تستثنِ، أخيراً، أي دولة حول العالم، وإن بشكل متفاوت، فيما تبدو الصين أكثر الدول تضرراً، بالنظر إلى أن منتجاتها ستخضع لضريبة إضافية بقيمة 34%، تضاف إلى الرسوم السابقة التي بلغت الـ20%. وعلى الرغم من أنّ «الهجمة الحمائية» الأحدث، والتي شملت، أيضاً، تعرفات بقيمة 10% على «كلّ الواردات» من جميع أنحاء العالم، تشكّل ظاهرة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أنّها تبدو متّسقة مع أهداف ترامب المعلنة، ولا سيما في ما يتعلق بقضية «إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة»، جنباً إلى جنب الرد على ما تراه واشنطن «السياسات التجارية غير العادلة من البلدان الأخرى»، وإن كانت آلية تحقيق تلك الأهداف «محفوفة بالمخاطر».
إذ، على سبيل المثال، يريد ترامب الانقلاب على النهج الاقتصادي الحالي، من طريق إحياء الصناعة في البلاد، والتي تحتاج، بطبيعة الحال، إلى يدٍ عاملة، بينما يشنّ، في الوقت عينه، حملات قمع واسعة ضدّ المهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة. على أنّ مشكلة أخرى تؤرق المراقبين الأميركيين، مفادها أنّ سياسات ترامب العدائية تعيد تشكيل العالم على نحو يدفع حلفاء واشنطن، وخصوم بكين حتى، إلى «المدار الصيني»، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة الضغط على عدد من حلفائها، وإخضاعهم لها، وإن عبر الابتزاز والقوة، بهدف «إعادة إحياء النفوذ الأميركي» على الساحة العالمية.
«منافسو» بكين
وفي هذا السياق، يرد في تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» أنّه على وقع الإجراءات الأميركية الأخيرة، تمضي الصين قدماً في تعزيز علاقاتها مع «عدد من جيرانها»، وتطرح نفسها كـ«قائد عالمي للتجارة الحرة». ويستند الرأي المتقدّم إلى جملة من الخطوات الصينية الأخيرة، بما في ذلك استضافة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الجمعة الماضي، لأكثر من 40 رئيساً تنفيذياً للشركات الأجنبية حول العالم، قبل أن يجتمع وزراء التجارة من كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، في بكين الأحد، معلنين التوصل إلى اتفاق لـ«التعاون الوثيق» في ما يتعلق بتعزيز التجارة الحرة في الإقليم والعالم، فيما أفادت وسائل إعلام صينية بأنّ «الدول الثلاث ستتعاون أيضاً للرد على تعرفات ترامب الجمركية»، في موقف أثار «الذعر في واشنطن».
وعلى الرغم من أنّ اللقاء الأخير كان الأول منذ جائحة «كوفيد-19» عام 2019، إلا أنّ محادثات ثنائية كانت تدور، بشكل مستمر، بين الأطراف الثلاثة، فيما تتبنّى طوكيو، على ما يبدو، استراتيجية «التحوّط المزدوج» – بحسب «فورين أفيرز» -، والتي تقوم على التقرب من كل من واشنطن وبكين في الوقت نفسه. أمّا سيول، فهي تبدو غير قادرة، في ظل «الفوضى السياسية الداخلية» التي تعيشها، على تبنّي أي استراتيجية طويلة الأمد.
استضاف الرئيس الصيني أكثر من 40 رئيساً تنفيذياً للشركات الأجنبية حول العالم
وعلى الرغم من ذلك، أعرب الرئيس الكوري الجنوبي بالإنابة، هان داك سو، «عن أسفه لأن حرب الرسوم الجمركية العالمية أصبحت حقيقية»، متعهّداً «باستخدام جميع موارد الحكومة للتغلب على الأزمة التجارية»، ولا سيما أنّ يوم أمس فقط، دخلت حزمة أخرى من التعرفات، مرتبطة بشكل رئيسي بقطاع السيارات، حيز التنفيذ، إذ تفيد وكالة «بلومبرغ» بأنّه «في حال كانت لدى أي أحد رؤية حول مستقبل لا تهيمن الصين فيه على صناعة السيارات العالمية، فقد أصبح بإمكانه أن يقول وداعاً لتلك الأحلام»، نظراً إلى أنّ تعرفات ترامب البالغة نسبتها 25% على واردات السيارات، لا توجّه «ضربة قاضية إلى سلاسل التوريد الناشئة القليلة غير الخاضعة لسيطرة بكين» فحسب، بل إنّ «كوريا الجنوبية واليابان، اللتين تشكّلان معاً ثلثي السيارات المستوردة إلى الولايات المتحدة، ستكونان أكبر المتضررين منها أيضاً».
«زحمة» أوروبية
وإلى جانب سيول وطوكيو، تشي «التساهلات» الصينية إزاء جملة من القضايا، بما في ذلك تأجيل فرض تعرفات جمركية دائمة على«الكونياك» الفرنسي لمدة ثلاثة أشهر، جنباً إلى جنب «زحمة» زيارات المسؤولين الأوروبيين إلى بكين في الأيام الماضية، بحصول تغيّرات واضحة في «ديناميكية» العلاقات الصينية – الأوروبية، فيما يتلمس مراقبون صينيون الحاجة الأوروبية المتزايدة إلى «دور الصين»، مع تعمّق الانقسام الأميركي – الأوروبي حول الأزمة الأوكرانية والتعرفات الجمركية.
وبصورة أعمّ، وعلى الرغم من الانقسام في أوساط المسؤولين الأوروبيين حول السياسة التي يجب أن يتبنّاها «الاتحاد الأوروبي» إزاء الصين، فقد زار كل من رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي، ووزير الخارجية الفرنسي، والمفوّض الأوروبي للتجارة والأمن ووزير الدولة والشؤون الخارجية البرتغالي، «الجمهورية الشعبية» في الفترة الماضية، فيما من المتوقّع أن يزور رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بدوره، البلاد في نيسان. ومن جهته، وعقب أول زيارة له إلى الصين منذ توليه منصبه، شدّد ماروس شيفتشوفيتش، رئيس التجارة في «الاتحاد الأوروبي»، على ضرورة أن «تعزز أوروبا والصين التعاون في سياق التحديات العالمية الناشئة».
«التحوّط اللاتيني»
وفي أميركا اللاتينية، لا يبدو الوضع مختلفاً كثيراً، بعدما وضع ترامب، منذ بداية حياته السياسية، نصب عينيه مواجهة العلاقات الصينية والروسية المتنامية مع دول القارة اللاتنية، وعمد، في الأسابيع الماضية، إلى تبني «نهج شرس» إزاء تلك الدول، ما جعل بعضها، «تجثو على ركبها»، بحسب تقرير أوردته مجلة «فورين أفيرز». على أنّه وفيما قد تدعّم «النجاحات الأولية» التصور حول أن ترامب يعيد بناء سلطة الولايات المتحدة في «نصف الكرة الغربي»، إلا أنّ «انتزاع سلسلة من التنازلات من الجيران الأضعف، لا يُعدّ استراتيجية فعّالة على المدى الطويل»، ولا سيما أنّه لا يأخذ في الاعتبار الديناميكيات الإقليمية المتغيّرة، والتي يزيد سلوك واشنطن «العدائي» من «سرعتها».
وطبقاً للمصدر نفسه، تعمد الدول المشار إليها إلى «التحوّط بذكاء» في رهاناتها، من خلال الحفاظ على علاقات مع كل من واشنطن ومنافسيها، بينما تحقّق بكين، بشكل خاص، نجاحات كبيرة في القارة اللاتينية، حيث أصبح يُنظر إليها على أنّها «مصدر موثوق في مجالات الاستثمار والمشاركة الدبلوماسية»، والتي لم تعد الولايات المتحدة توفّرها بشكل مستمر. وعلى الضفة المقابلة، لم يقدّم الرئيس الأميركي الذي يتباهى بإتقانه «فن الصفقات»، سوى «القليل من المزايا» للقارة اللاتينية، مقابل فرض «الكثير من الطلبات منها».
وعلى ضوء ما تقدّم، يتوسّع القلق في واشنطن من خطورة الوضع الراهن، معيداً إلى الأذهان ما دأبت لورا ريتشاردسون، قائدة «القيادة الجنوبية الأميركية»، طوال الفترة الممتدة من عام 2021 إلى عام 2024، على التحذير منه، ومفاده أن الصين «تلعب الشطرنج» في نصف الكرة الغربي، بينما نحن «نلعب الداما»، في إشارة إلى نجاح نهج بكين الصبور والشمولي في المنطقة، بحسب «فورين أفيرز».