عبدالله سليمان علي
في أول عملية من نوعها منذ سقوط نظام بشار الأسد، نفّذت قوات إسرائيلية إنزالاً جوياً ضخماً على جبل المانع الاستراتيجي في الكسوة، الحدّ الفاصل بين العاصمة وجنوبها.
اتفقت الروايات الإعلامية على أن الهدف المعلن هو مصادرة أجهزة إلكترونية وتدمير مخازن أسلحة من مخلفات النفوذ الإيراني. لكن توقيت العملية وأسلوب تنفيذها والمدة التي استغرقتها تكشف أنها تتجاوز هذا التفسير إلى حسابات أوسع.
إسرائيل اختارت توقيت الإنزال ليتزامن مع ثلاثة أحداث بارزة: افتتاح معرض دمشق الدولي بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، وتصاعد الحديث عن اتفاق أمني وشيك بين دمشق وتل أبيب ضمن مسار مفاوضات باريس، وكذلك قبيل انعقاد جلسة مجلس الأمن بخصوص التمديد الأخير لقوات “اليونيفيل” في لبنان.
هذا التزامن يرجّح أن العملية لم تكن طارئة، بل مخطّطة مسبقاً لفرض وقائع جديدة على الأرض، وإيصال رسائل إلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري، خصوصاً ملف الجنوب.
الإنزال على جبل المانع ترافق مع هبوط مروحيات إسرائيلية في السويداء. هذا التطور يعزّز فرضية سعي تل أبيب إلى هندسة طوق عملياتي يطوّق دمشق من جهتين: الغرب (الكسوة/درعا) والجنوب الشرقي (السويداء).
ولا يمكن فصل هذا التزامن عن النقاش الدائر في مجلس الأمن بشأن تمديد مهمة قوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان. وقد يكون هدف إسرائيل بعث رسالة مزدوجة، أنها تتحرك عبر الأمم المتحدة في لبنان، لكنها تفرض وقائع ميدانية بنفسها في سوريا. وبذلك تذكّر جميع الأطراف بأن أمن حدودها الشمالية، سواء في لبنان أو في سوريا، هو ملف تمسك بخيوطه مباشرة، ولا تقبل أن يُدار بمعزل عنها.
بهذا المعنى، تبدو إسرائيل وكأنها تدير صراعاً طويل الأمد عبر ضربات متقطعة لكنها نوعية، تعرقل محاولات القوات السورية لإعادة التموضع وتُبقي العاصمة تحت ضغط مستمر.
الباحث السوري مالك حافظ يقول لـ”النهار” إن إسرائيل “تعمّدت أن تضرب في لحظة أرادت فيها السلطة الانتقالية رسم صورة استقرار، لتعرّي ذلك الاستعراض من أي مضمون عملي”.
ويضيف: “أي حديث عن استقرار أو سيادة لا قيمة له ما لم يتكئ على ميزان القوة الذي تحتكره إسرائيل، وهي بذلك تنزع الشرعية الرمزية عن محاولات السلطة إظهار نفسها كدولة طبيعية قادرة على حماية فضائها”.
ويشدد حافظ على أن “العملية لم تُوجَّه فقط إلى دمشق، بل هي رسالة إلى العواصم العربية التي تدرس خيارات التعامل مع السلطة الجديدة، وإلى القوى الدولية التي تترقب حدود قدرتها على ضبط الجغرافيا السورية”.
ويضيف: “إسرائيل قالت بوضوح إن الأمن على حدودها ليس موضع مساومة، وإنها قادرة على فرض وقائع ميدانية تتجاوز ما يُكتب في الاتفاقات”.
من جانبه، كتب الخبير الأمني السوري محمود إبراهيم أن العملية هدفت إلى “الإجهاز على الفرقة 44 وتدمير مرابض الجيش السوري جنوب العاصمة”، و”فصل محور استناد جنوب دمشق عن نقطة اتصال غباغب، التي تشكل رأس جسر نحو المنطقتين السهلية والجبلية في حوران”.
وحذّر إبراهيم من أن تمسّك الجيش السوري بالتمركز التقليدي سيكون “مكلفاً إنسانياً ويفقد قوات جنوب العاصمة مرونتها تدريجياً”، لافتاً إلى أن خطورة الضربات تكمن في إيقاعها المتقطع، أي توجيه ضربات على فترات منفصلة تسمح للجيش بمحاولة الترميم، ثم ضربه مجدداً.
يُمثّل جبل المانع عقدة مرتفعة (1100 م) تُشرف على محور دمشق – درعا (M5) وتخوم الجولان. شكّل تاريخياً قاعدة دفاع جوي ومركزاً للتخزين والتنسيق، والسيطرة عليه تمنح أفضلية مراقبة وتعطيل خطوط الإمداد جنوب العاصمة، وتوفّر عمق إنذار مبكر على اتجاهات درعا – القنيطرة.
لهذا، فإن وصول جنود إسرائيليين إلى هذا الموقع لا يُقاس برواية الأجهزة الإلكترونية، بل ينطوي على رمزية ميدانية تكشف عن مستوى جديد من التدخل.
ويرى حافظ أن الإنزال “لا يمكن فصله” عن المخطط الأكبر للجنوب السوري، معتبراً أن ما جرى في الكسوة يؤسّس لنمط تدخل ميداني مرشّح للاستمرار والتوسع.
ويوضح أن الهدف يتمثل في إعادة تشكيل الجنوب كساحة أمنية تحت السيطرة المباشرة لإسرائيل، وتحويله تدريجياً إلى منطقة عازلة تُفرض كأمر واقع، بما يضع مصير المنطقة خارج يد السلطة الانتقالية ويكرّس تفوّق إسرائيل في إدارة الحدود والفضاء الأمني.
وبذلك، لم يكن إنزال جبل المانع مجرد عملية عسكرية محدودة، بل يشكل إعلاناً سياسياً ـ رمزياً عن قدرة إسرائيل على اختراق العمق السوري في اللحظة التي تختارها، وترسيخ نفوذها المباشر على الجنوب بما يشبه المنطقة الآمنة.
هذا التطور يضع السلطة الانتقالية أمام اختبار قاسٍ، فهل تستطيع فرض سيادتها؟
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار