آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » من مقديشو إلى كاراكاس… مَن يملك حقّ تعريف العدالة؟

من مقديشو إلى كاراكاس… مَن يملك حقّ تعريف العدالة؟

 

مروة جردي

في فنزويلا، لا يعود الحديث عن عملية أمنية معزولة، بل عن إعادة إنتاج كاملة لمنطق الهيمنة الأميركية. من «بلاك هوك» مقديشو إلى «دلتا» كاراكاس، تتقدّم القوة على القانون، وتُصاغ الرواية لاحقاً عبر الإعلام والسينما، في مسعى دائم لشرعنة التدخل، ومحو أسئلة السيادة والضحايا والعدالة الدولية

لا تبدو الأخبار المتداولة عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثاً منفصلاً عن سياقها، بقدر ما تبدو استمراراً لنمط طويل في السلوك السياسي الأميركي، يقوم على تجاوز المؤسسات الدولية، وتعليق القانون حين يتعارض مع منطق القوة. فالتدخلات الأميركية، منذ إسقاط القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي، مروراً بغزو العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل، وصولاً إلى الضغوط والعقوبات والانقلابات الناعمة في أميركا اللاتينية، تشي بسردية واحدة: القوة أولاً، والتبرير لاحقاً.

«دلتا»… العملية قبل الرواية

في هذا السياق، تندرج العملية التي قيل إنها نفذتها قوات دلتا في فنزويلا، تحت اسم «العزم المطلق»، بوصفها حلقةً جديدة من إدارة العالم خارج الشرعية الدولية. اللافت هنا ليس فقط الفعل العسكري ذاته، بل سرعة انتقاله من الميدان إلى الفضاء الرمزي، حيث يصبح مادةً للتداول الإعلامي والشعبي عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتأويل، وصناعة المعنى. وهو ما أعاد إلى الواجهة، ذاكرة عملية أخرى نفذتها القوات نفسها في مقديشو عام 1993، وانتهت بفشل ذريع.

في الصومال، دخلت قوات «دلتا» الأميركية مقديشو في إطار مهمة عسكرية هدفت إلى اعتقال الجنرال محمد فرح عيديد، تحت غطاء إعادة الاستقرار وتأمين المساعدات الإنسانية. لكن العملية سرعان ما تحولت إلى مواجهة مفتوحة مع مقاومة محلية، عقب إسقاط مروحيتين أميركيتين من طراز «بلاك هوك». النتيجة كانت كارثية: مقتل 18 جندياً أميركياً، وسقوط مئات، من الصوماليين بين قتيل وجريح.

وثّق كتاب ادواردو غاليانو قروناً من نهب القارة وتشويه صورة شعوبها

غير أن الهزيمة العسكرية لم تكن نهاية القصة. بعد سنوات، أعادت هوليوود تدوير الحدث نفسه في فيلم Black Hawk Down (2001) للمخرج ريدلي سكوت، حيث جرى تحويل الإخفاق الميداني إلى ملحمة إنسانية تركز على «أخوّة السلاح» ومعاناة الجنود الأميركيين. حصد الفيلم جائزتي أوسكار عن أفضل مونتاج وأفضل صوت، ونجح في ترسيخ سردية تُظهر الجنود ضحايا للفوضى، بينما غاب تقريباً أي سياق سياسي أو إنساني يشرح لماذا كانوا هناك أصلاً، أو ماذا حلّ بسكان المدينة التي تحولت إلى ساحة معركة.

هنا تتجلى الوظيفة الثقافية للسينما بوصفها أداةً لإدارة الذاكرة. فالعنف، حين يُعاد تقديمه ضمن قالب فني محكم، يتحول من فعل عدواني إلى «تجربة إنسانية»، ومن تدخل خارجي إلى قصة بطولة. ما جرى في مقديشو يُعاد اليوم، بشكل مختلف، مع فنزويلا من خلال التركيز على «حسم» أميركي، وتجاهل أسئلة السيادة، والضحايا المدنيين، والقانون الدولي الذي جرى الدوس عليه باسم العدالة أو الأمن.

شرايين مفتوحة

في هذا الإطار، يصبح استدعاء كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» لإدواردو غاليانو أكثر من إحالة ثقافية. الكتاب، الذي يوثق قروناً من نهب القارة واستغلال مواردها وتشويه صورة شعوبها، يقدم مفتاحاً لفهم ما يجري اليوم. الهدية الرمزية التي قدمها هوغو تشافيز لباراك أوباما عام 2009 لم تكن مجاملة ديبلوماسية، بل تذكيراً بأن ما يُقدَّم بوصفه «تدخلاً» أو «تصحيحاً سياسياً» ليس سوى استمرار لسلسلة طويلة من الهيمنة بأشكال متجددة.

كان تشافيز يحذّر مراراً من أن فنزويلا، بما تملكه من احتياطي نفطي هائل، ستكون هدفاً تالياً بعد العراق. وربما لم يتخيّل أن يصل الأمر إلى حد اقتياد رئيس دولة لمحاكمته خارج بلاده، من دون تفويض دولي، ومن دون حتى محاولة جادة لبناء إجماع سياسي أو أخلاقي حول الفعل. في هذه اللحظة تحديداً، لا تعود المسألة سياسية فقط، بل ثقافية بامتياز: مَن يملك حق تعريف العدالة؟ ومن يكتب القصة النهائية لما حدث؟
(أخبار سوريا الوطن2-الأخبار)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شكران مرتجى… هل ستصالح جمهورها؟

  وسام كنعان   في حياة النجمة شكران مرتجى، ثوابت لا يمكن أن تتخلى عنها. ورغم ما يبدو عليها من قوة، إلا أنها تحمل شخصية ...