آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » «السوريون الأعداء»: حين تدخل المجزرة إلى الدراما

«السوريون الأعداء»: حين تدخل المجزرة إلى الدراما

 

مروة جردي

 

يتقدّم مسلسل «السوريون الأعداء» بوصفه أول عمل درامي سوري يقترب من مجزرة حماة عام 1982، مقتبساً عن رواية فواز حداد وإخراج الليث حجو. المسلسل الذي سيُعرض في موسم رمضان 2026، الذي تهيمن عليه موضوعات الحرب والسجون، ويُعيد طرح أسئلة حول تمثيل العنف والطائفية والذاكرة في الدراما السورية المعاصرة

 

منذ الإعلان عن خريطة الأعمال الدرامية السورية للموسم الرمضاني المقبل، تصدرت الموضوعات المرتبطة بالحرب والذاكرة القمعية واجهة النقاش العام.

 

مجزرة حماة

وبينما واجهت الأعمال التي تتناول السجون، ولا سيما صيدنايا، انتقادات واسعة تتعلق بأماكن التصوير، وطبيعة المعالجة، وحدود الجرأة في مقاربة ملف لا يزال مفتوحاً، حظي مسلسل «السوريون الأعداء» باحتفاء مبكر وترقب خاص، بوصفه أول عمل سوري يقترب درامياً من مجزرة حماة 1982، إحدى أكثر القضايا إشكالية وحساسية في التاريخ السوري الحديث.

 

هذا التفاوت في الاستقبال يطرح سؤالاً يتجاوز المفاضلة بين حدثين، ليمسّ آليات تمثيل العنف والذاكرة في الدراما السورية: لماذا تبدو حماة، بعد أكثر من أربعة عقود، قابلةً للسرد؟

 

«السوريون الأعداء» على الشاشة

يتصدر مسلسل «السوريون الأعداء» المشهد الرمضاني المقبل باعتباره معالجة درامية مأخوذة عن رواية الكاتب السوري فواز حداد الصادرة قبل نحو عقد، وقد أثارت عند نشرها جدلاً واسعاً بسبب تناولها أحداث حماة 1982، حين فرض جيش النظام السابق حصاراً دام قرابة 27 يوماً وانتهى بمجزرة كبرى.

 

العمل، الذي يتولى إخراجه الليث حجو، وبطولة بسام كوسا وسلوم حداد، يرصد تحولات الواقع السوري منذ سبعينيات القرن الماضي، مروراً بصدامات الثمانينيات، وصولاً إلى ما قبل اندلاع الثورة السورية، من دون أن يحسم بعد مدى اقترابه من مشاهد العنف بوصفها جوهر الحكاية لا مجرد خلفية تاريخية.

 

تأتي هذه الاستعادة في لحظة يُعاد فيها فتح «صندوق الصمت» حول تلك المرحلة، ليس فقط عبر الدراما، بل أيضاً عبر الإعلام والذاكرة الشفوية. وقد بدا ذلك واضحاً في استضافة منصات إعلامية سورية لشهادات جديدة، من بينها شهادة زوجة إبراهيم اليوسف، أحد منفذي مجزرة كلية المدفعية في حلب، التي استخدمها النظام لاحقاً لتبرير ما جرى في حماة. هذا التداخل بين السرديات، الضحايا والجلادين، والذاكرة الرسمية والبديلة، يضاعف من حساسية أي معالجة فنية.

 

نبيل سليمان قارئاً لفواز حداد

في هذا السياق، تكتسب قراءة الكاتب والناقد نبيل سليمان لرواية «السوريون الأعداء» أهمية خاصة. ففي مقاله «السوريون الأعداء أو الطائفية روائياً»، لا يتعامل سليمان مع الطائفية كثيمة عابرة أو خلفية اجتماعية، بل بوصفها قوة مهيمنة تعيد تشكيل البنية السردية نفسها: الشخصيات، الحوارات، ومنطق الصراع.

 

ينطلق سليمان من فرضية أن العمل الأدبي قد يتحول، أحياناً من دون وعي مؤلفه، إلى حامل لأفكار يفرضها الواقع السياسي والاجتماعي، ليخلص إلى أنّ الرواية تميل إلى تقسيم السوريين إلى «أعداء» وفقاً لمنطق طائفي اختزالي، يضغط على التعقيد الإنساني، ويحوّل الانتماء الديني إلى أداة تفسير شاملة للسلوك والعنف والولاء. وتصبح الطائفية، وفقاً لهذه القراءة، أيديولوجيا سردية كاملة، تفسر الماضي وتعيد تأويل الحاضر، لكنها تفعل ذلك، في نظر سليمان، على حساب تعدد الدوافع التاريخية والسياسية والاجتماعية التي شكلت التجربة السورية.

 

«مدائن الأرجوان» في مواجهة «السوريون الأعداء»

تزداد أهمية هذه القراءة حين تُقارن بمشروع نبيل سليمان الروائي نفسه، ولا سيما روايته «مدائن الأرجوان»، التي تعود إلى الحقبة الزمنية ذاتها، لكنها تتعامل معها من زاوية مغايرة. هناك، يُستدعى التاريخ بوصفه مختبراً لفهم الحاضر، وتفكك آليات تشكل السلطة والعنف والانقسام داخل المدينة السورية، من دون السقوط في فخ التفسير الواحد أو الهوية المغلقة. تتشابك الأسئلة الطبقية والدينية والسلطوية في شبكة معقدة من المصالح والتناقضات، ما يجعل الرواية نموذجاً لتراكم التعقيد لا اختزاله.

 

من هنا، لا يعود السؤال المطروح محصوراً في الرواية أو في العمل الدرامي المقتبس عنها، بل يمتد إلى كيفية تعامل الدراما السورية اليوم مع إرث القمع: هل ستعيد إنتاج السرديات الطائفية ذاتها؟ أم ستغامر بتفكيكها؟

 

وكيف سيعالج الليث حجو وفريقه، الذي يضم رافي وهبه ونجيب نصير، هذه الإشكالية الدقيقة في زمن لا تزال فيه الطائفية حاضرة بقوة وتعتبر فيه جرائم الحقبة البعثية، من أعقد ملفات المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا، سياسياً وثقافياً واجتماعياً. والتعامل معها درامياً يشبه السير في حقل ألغام: كيف يُعاد سرد التاريخ من دون إعادة إنتاج الأذى؟

 

وكيف تتحول الدراما من أداة استهلاك للذاكرة إلى مساحة مساءلة حقيقية لها؟ هذا هو الرهان الحقيقي، وهو ما سيحدد إن كانت حماة ستُروى أخيراً بوصفها مأساة وطنية جامعة، أم مجرد فصل آخر في سردية العداء بين المكونات السورية.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير الإعلام بول مرقص ينعى هلي الرحباني ويعزّي السيدة فيروز

مرقص: خسارة مؤلمة لعائلة قدّمت للبنان والعالم إرثاً فنياً وإنسانياً لا يُقدَّر…   نعى وزير الإعلام بول مرقص هلي الرحباني، الابن الأصغر للسيدة فيروز، مقدّماً تعازيه ...