تكشف البنود التي تمّ التوافق عليها بين الوفدين السوري والإسرائيلي، بعد يومين من المحادثات المكثفة في باريس برعاية أميركية، عن تحوّل لافت في مسار العلاقة بين الجانبين. فقد شملت التفاهمات وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، وإنشاء خط ساخن للتنسيق، في خطوة تعكس مستوى غير مسبوق من الانخراط الأمني.
وجاء استئناف المحادثات بناءً على طلب مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اجتماعهما في أواخر العام الماضي في منتجع مارالاغو. وتشير التقارير إلى أن نتنياهو وافق على مواصلة المفاوضات، مع تأكيد التزام إسرائيل بخطوط حمراء تعتبرها غير قابلة للتجاوز.
في هذا السياق، تمارس واشنطن ضغوطاً كبيرة لدفع المسار قدماً، إذ ترى إدارة ترامب في هذه التفاهمات وسيلة لتحقيق الاستقرار على الحدود السورية–الإسرائيلية، وربما تمهيد الطريق لاحقاً لترتيبات ديبلوماسية أوسع.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن الطرفين اتفقا على تكثيف المحادثات، وتعزيز إجراءات بناء الثقة، والسعي للتوصل إلى اتفاق أمني. وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن المفاوضات كانت مثمرة، وأن الجانبين عبّرا عن رغبتهما في المضيّ نحو اتفاق أمني ينسجم مع رؤية ترامب للشرق الأوسط.
ومثّل إسرائيل في المحادثات كل من السكرتير العسكري لرئيس الوزراء والمرشح لرئاسة الموساد رومان غوفمان، والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي غيل رايخ. أما الجانب السوري فمثّله وزير الخارجية أسعد الشيباني، ورئيس الاستخبارات حسين السلامة، إلى جانب فريقيهما. وشارك في الاجتماعات ممثلا ترامب، جاريد كوشنير وستيف ويتكوف، إضافة إلى السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث إلى سوريا توم براك.
وتأتي هذه المفاوضات بعد نحو عام على ترسيخ النظام الجديد في دمشق. وبحسب مركز “علما” للدراسات المتخصص في جبهتي سوريا ولبنان، لا تزال البلاد تعاني من اضطرابات داخلية عميقة تعكس فشل السلطات في فرض الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة ومكوّناتها. وأشار المركز إلى أن التوترات في الساحل، والاشتباكات مع القوات الكردية في الشمال، ليست أحداثاً معزولة، بل مؤشرات إلى هشاشة البنية السياسية والأمنية.
وبحسب التقييم نفسه، يكافح النظام السوري للانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة الحكم، فيما يبقى الأمن الداخلي هشاً، ما يجعل سوريا ساحة قابلة للتصعيد وعدم الاستقرار.
آلية تعاون استخباراتي
وأفادت “يديعوت أحرونوت” بأن البيان الإسرائيلي–السوري–الأميركي المشترك، وهو بيان نادر، تضمّن الاتفاق على إنشاء آلية فورية للتعاون الاستخباراتي تشبه “الخط الساخن”، بهدف منع الاحتكاكات وسوء الفهم، والتعامل السريع مع أي حوادث محتملة. وسيدير هذه الآلية ممثلون عن الدول الثلاث.
كذلك تقرر إطلاق محادثات متوازية بشأن اتفاقية أمنية، إلى جانب بحث قضايا مدنية تشمل قطاعات الطاقة والصحة والزراعة، فيما تروّج واشنطن لفكرة بيع إسرائيل الغاز لسوريا. وبفعل الضغوط الأميركية، ستتوقف الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في سوريا، وهو ما اعتبرته الصحيفة فرصة تاريخية لدفع المفاوضات في اتجاه إيجابي.
غير أن التقدم في “القضايا الاستراتيجية”، بحسب “يديعوت أحرونوت”، يتطلب جدولاً زمنياً واضحاً لانسحاب القوات الإسرائيلية. في المقابل، تطالب إسرائيل بتأمين ممرّ آمن من الحدود إلى مناطق الدروز، وهو ما يعني توغلاً عميقاً داخل الأراضي السورية، وهو مطلب يثير تشكيكاً واسعاً في إمكان قبوله سورياً.
ولا يجري الحديث عن تحالف، بل عن “اتفاقية تنسيق أمني”. ويرى بعض الخبراء أن مثل هذه الاتفاقية “ممكنة نظرياً”، شرط توفر إرادة سياسية حقيقية. غير أن إسرائيل تطالب بما هو أبعد من اتفاقية فصل القوات، بما في ذلك نزع السلاح الثقيل من الجنوب السوري، في وقت تثار تساؤلات بشأن مدى استعداد الأطراف للقبول بوساطات وتسويات مرحلية.
وتُصرّ إسرائيل على رفض أيّ وجود عسكري تركي في سوريا، معتبرة أن نشر أنقرة طائرات أو رادارات سيحوّل البلاد إلى قاعدة أمامية تهدّد أمنها. ورغم التقدّم النسبي في المحادثات، لا تزال تساؤلات أمنية جوهرية عالقة.
فجوات جوهرية
وفي هذا السياق، كتب هيرب كينون في “جيروزاليم بوست” أن إسرائيل كانت قادرة على التنبؤ بسلوك نظام الأسد، الذي التزم لعقود باتفاقية فصل القوات عام 1974، ما جعل الجبهة السورية الأكثر هدوءاً مقارنة بلبنان. لكن انهيار هذا النظام أوجد حالة عدم يقين في دولة تمزّقها جماعات مسلحة معادية لإسرائيل.
وأشار إلى أن إسرائيل تحرّكت عسكرياً لتدمير القدرات السورية الثقيلة، ومنع وقوعها بيد جهات معادية، وسيطرت على مناطق واسعة في الجنوب السوري، بما فيها الجانب السوري من جبل الشيخ، انطلاقاً من مخاوف أمنية تتعلق بمن قد يسيطر على سوريا مستقبلاً.
وخلص كينون إلى أن هذه الخلفية تفسّر أهمية المحادثات الجارية، فرغم أن البيان لا يرقى إلى اتفاق أمني شامل، فإنه أول اعتراف ثلاثي رسمي بمحادثات أفضت إلى تفاهمات ملموسة، وإن كانت موقتة. ولفت إلى أن واشنطن باتت ترى في استمرار الضربات الإسرائيلية عائقاً أمام قدرة القيادة السورية الجديدة على تثبيت سلطتها وإعادة بناء الدولة.
وتطالب دمشق بانسحاب كامل من المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط الأسد، وإحياء اتفاقية فصل القوات، ووقف الضربات، وضمان السيادة. في المقابل، تركز إسرائيل على نزع السلاح من الجنوب، وحماية الأقليات، ولا سيما الدروز، والحفاظ على حرية العمل العسكري والاستخباراتي.
وفي السياق نفسه، نقلت المحللة السياسية في “معاريف” آنا بارسكي عن مسؤول إسرائيلي قوله إنه على الرغم من التقدم المحرز على مستوى الآليات، “لا تزال الفجوات الجوهرية بين إسرائيل وسوريا عميقة”، ولا سيما حيال مفهوم “نزع السلاح”. فبينما تتحدث واشنطن عن منطقة منزوعة السلاح بقيود واضحة ورقابة دولية، تسعى تل أبيب إلى منطقة عازلة تحت سيطرة إسرائيلية فعالة. ورغم وصف المحادثات بالمثمرة، “لا مؤشرات حتى الآن على اتفاقات حاسمة أو جدول زمني واضح، ما يرجح استمرار المفاوضات بحذر، ومن دون توقع اختراق سريع”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
