أنس جودة
لم يكن التهجير في سوريا نتيجة هزائم عسكرية ولا فائض عنف محلي، بل كان منذ بدايته أداة إدارة إقليمية للصراع. صاغته الدول ونفذ بأيد سوريّة، وروج له بوصفه انتصاراً، فيما كان في جوهره ترتيباً لتقاسم النفوذ.
عمليات نقل المسلحين وعائلاتهم لم تكن قرارات ميدانية مستقلة. ما جرى في حمص والغوطة وريف دمشق واتفاقات أخرى كان نتاج تفاهمات إقليمية واضحة، نزلت إلى الأرض عبر فاعلين محليين، ثم حمل السوريون وحدهم كلفتها السياسية والأخلاقية. جرى توجيه الغضب إلى الداخل، فيما بقيت الدول التي أدارت المشهد خارج المساءلة.
تحميل النظام وحده مسؤولية التهجير والباصات الخضر قراءة انتقائية. تركيا وروسيا كانتا شريكتين في هندسة المسارات وفق مصالح متقاطعة، ولم يكن تجميع المقاتلين في إدلب انحرافاً، بل خياراً وظيفياً ضمن إدارة الصراع. لم يكن ذلك استثناء، بل القاعدة.
واليوم يعاد إنتاج الآلية نفسها. توافقات جديدة تتشكل، تشارك فيها إسرائيل والولايات المتحدة وحتى فرنسا، لا بوصفهم ميسرين محايدين، بل مديري مسارات وتبادلات مصالح. ويتقاطع هذا مع حالات تشف وزهو بالنصر لدى أطراف محلية، تتعامل مع المآلات بوصفها مكسباً رمزياً، بينما هي في الواقع نتائج صفقة لا تملك مفاتيحها. ما يجري ليس قطيعة مع الماضي، بل استمرار له بأدوات مختلفة.
المشكلة الأعمق أنه منذ دخل السلاح إلى سوريا خرج القرار منها. حين تحول العنف إلى لغة السياسة، فقدت السيادة معناها، مهما تبدلت الوجوه والرايات. لم يعد السلاح وسيلة حماية، بل إعلان فقدان للقرار. في هذا السياق، لم يكن التشفي مجرد انفعال أخلاقي، بل أداة سياسية سهلت تمرير الإقصاء والتهجير، وخلقت قبولاً اجتماعياً ضمنياً بخراب متبادل.
نواصل التباهي بانتصارات ليست لنا، ونخلط بين السيطرة والسيادة. السيطرة القائمة ليست سوى إدارة مؤقتة للأرض والعنف والسكان ضمن توازنات خارجية. وعندما يؤمر أي طرف بالانسحاب، ينسحب، لأن القرار في هذه الحرب لم يكن يوماً قراراً سورياً.
إذا كان الصراع قد تمت إدارته عبر تمثيلات مفروضة، وسلطات ادعت الكلام باسم المجتمعات وهي تفاوض فوقها، فإن كسر هذه الحلقة لا يبدأ من تبديل الرعاة ولا من تغيير الواجهات. يبدأ من إعادة وصل ما قطع بين السوريين أنفسهم، وبناء تقارب مجتمعي خارج منطق التخوين والتمثيل القسري. من دون ذلك، ستبقى المجتمعات أدوات قابلة للاستدعاء، وسيبقى الصراع يدار فوق الناس لا باسمهم.
سوريا لك السلام
(أخبار سوريا الوطن1-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
