آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » المعرفة أم الهمجية الرقمية؟ الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي

المعرفة أم الهمجية الرقمية؟ الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي

حسين الإبراهيم:

  • ماذا يتبقى من المعرفة الحقيقية عندما يصبح إنتاج النصوص والصور فوريًا ومتاحًا للجميع، ولكن دون فهم حقيقي لمغزاها
  • كيف يمكن للصحافة أن تتحول من ناقل للمعلومة إلى حارس للمعنى في مواجهة طوفان المُحتوى المُولَّد آليًا؟
  • ما هو المصير الأخلاقي للصحافة إذا تحولت من صاحبة رؤية نقدية إلى مُجرّد مُشغّلٍ لتقنيات لا تفهم السياق الإنساني؟

كثيرًا ما نستذكر مقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري في كتابه “الهمجية زمن علم بلا ثقافة” : “العلم بلا ثقافة هو همجية”. هذه العبارة التي وُلدت في سياق نقدي للحداثة التكنولوجية في القرن العشرين، تتحول اليوم إلى جرس إنذار حيّ في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.

نحن نعيش لحظة تاريخية فارقة، حيث لم يعد السؤال عن حجم البيانات المُنتجة، بل عن طبيعتها ومصيرها. هل نحن إزاء قفزة معرفية غير مسبوقة تُعْتَبَر نقلةً تاريخية في حياة البشرية، أم إننا نغرق في همجية رقمية جديدة، أداتُها خوارزمياتُ باردة وغايتُها الاستهلاكُ والضجّة؟ وفي قلب هذا التحول المُرعب، يبرز سؤالٌ مصيري: ما دور الصحافة، الحارسة التقليدية للمعنى والرابط بين الحقيقة والجمهور، في هذا المشهد المُعقّد؟

أين تكمن نقطة الالتقاء بين الذكاء الاصطناعي والحكمة الإنسانية، وهل يمكن للصحافة أن تكون الجسر الذي يصل بينهما؟

المعرفة في عصر الآلة: بين الوهم والجوهر

يُنتج الذكاء الاصطناعي اليوم نصوصًا متماسكة تكاد تُحاكي كتابة البشر، وصورًا ومقاطع فيديو (Deepfakes) تُربك الحواس، وتحليلاتٍ سريعةً لكميات هائلة من البيانات. لكنه، في جوهره، يظل نظامًا معقدًا للإحصاء والاحتمال وإعادة التركيب. فهو يعيد ترتيب وأنسنة البيانات الموجودة في مخزونه، دون فهم حقيقي لمعناها.

هنا تكمن الهُوة السحيقة بين المعلومة والمعرفة. المعلومة هي مجموعة البيانات الخام، الأرقام، الحقائق المنعزلة. أما المعرفة، فهي عملية إنسانية خالصة تقوم على التأويل، وربط السياقات، والنقد، والمساءلة الأخلاقية، والخبرة الوجودية. الخطر الداهم هو تحوّلنا إلى مجتمعٍ سلبي، يستهلك سيلاً لا ينقطع من المعلومات المُعاد تركيبها، تُقدّم في قوالب جذابة وكأنها معرفةٌ نهائية.

هذه العملية تؤدي إلى تآكل الثقافة النقدية، واختزال العقل البشري إلى مُستقبِلٍ يتلقّى التوليفات الجاهزة، بلا فضولٍ حقيقي ولا قدرةٍ على التمييز بين الغثّ والسمين. إنها “الهمجية” بمفهوم هنري: تقدمٌ تقني هائل، يقابله تراجعٌ في العمق الثقافي والفكري.

الصحافة: حارس المعنى في مواجهة طوفان البيانات

في هذا السياق، يتحول دور الصحافة من مجرد ناقلٍ للأخبار إلى حارسٍ حاسم للمعنى وللإنسانية المشتركة. لم تعد قيمتها تكمن في سرعة نقل الخبر – فالشبكات والروبوتات تفعل ذلك في اللحظة – بل في صناعة السياق. مهمتها الجوهرية اليوم هي تفسير “لماذا” و”كيف” و”ما العاقبة”، وربط الأحداث المنفصلة بخيوط التاريخ والاقتصاد والاجتماع البشري، وطرح الأسئلة المحرجة والوجودية التي لا يجرؤ الخوارزمي على طرحها لأنه ببساطة لا يفهمها.

الصحافة هي الجسر الحيوي بين برودة الخوارزمي ودفء الوعي الإنساني. إنها خط الدفاع المنظم ضد “الهمجية الرقمية” عبر آليات مهنية راسخة ومتطورة: التحقق الدقيق من المصادر، وتفكيك الخطاب المُضلل، وقراءة البيانات ضمن أطرها الاجتماعية والأخلاقية، وإعطاء صوت للضعفاء والمهمشين الذين لا وجود لهم في قواعد البيانات الضخمة. إنها تضيء الزوايا المظلمة التي لا تصلها أدوات المسح الآلي.

تحديات الاستقلالية والأخلاق في غرفة التحرير الذكية

مع الاعتماد المتسارع لغرف التحرير على أدوات الذكاء الاصطناعي – في تحليل البيانات، واستخراج الأنماط، وحتى كتابة التقارير الأولية عن النتائج المالية أو الرياضية – تبرز تحديات وجودية للمهنة. الخطر الأكبر هو فقدان الاستقلالية والتبعية التقنية، حيث تصبح الصحافة مجرد مُشغّلٍ ومنفّذٍ لمنتجات الخوارزميات، ما يقوّض جوهر دورها النقدي والسيادي. كما أن هذه الأدوات ليست حيادية؛ فهي تحمل في طياتها تحيزات مبرمجيها وبياناتها التأسيسية، ما قد يعيد إنتاج صورة مشوهة للواقع.

هذا الواقع يفرض حاجةً مُلحّة إلى معايير جديدة للشفافية (مثل الإفصاح الإلزامي عن أي محتوى مُولد آليًا)، والمساءلة، والمقاومة الداخلية. يجب أن يظل الصحفي فاعلاً نقديًا ومُوجّهًا للآلة، يمتلك الأدوات لفهم حدودها وتحيزاتها، ولا يسمح لها بأن تكون سيدًا لرواية الواقع. الأخلاقيات الصحفية الكلاسيكية، من دقة وموضوعية وتوازن، تحتاج إلى ترجمة جديدة في العصر الرقمي.

"نحن نصمم أدواتنا، وبعد ذلك تُعيد أدواتنا تصميمنا"
مارشال ماكلوهان عالم الاتصالات الكندي

نحو معرفة تشاركية: الصحافة منصة للحوار المجتمعي

قد يكون المخرج نحو مستقبلٍ متوازن هو إعادة تصور المعرفة كعملية تشاركية جماعية، وليس كسلعةٍ نهائيةٍ تُنتجها الآلة وتستهلكها الجماهير. هنا، يمكن للصحافة أن تتحول إلى منصة حيوية لإدارة حوار مجتمعي مستنير حول الأسئلة المصيرية التي يطرحها العصر الرقمي: حدود الخصوصية، والأسئلة الأخلاقية للثورة الحيوية الرقمية، وعدالة الخوارزميات، ومستقبل العمل.

الذكاء الاصطناعي أداة قوية يمكنها، إذا أُحسن توجيهها، مساعدة الصحفي على رصد اهتمامات المجتمع وتحليلها، لكن المعنى الإنساني العميق يُبنى عبر الحوار والجدل والمشاركة والتعاطف. الصحافة التي تحتضن هذا الدور التشاركي، تصبح عاملاً أساسياً في إعادة بناء نسيج الثقة الاجتماعية، وخلق معرفة مشتركة تكون بمثابة بوصلة في عالم مضطرب. إنها عملية تحويل الطوفان الرقمي من خطر يهدد بالغرق، إلى موردٍ يُغذي الحكمة الجمعية.

دفاعًا عن الإنسان

تعيدنا الخاتمة إلى جوهر أطروحة ميشيل هنري: التقدم التقني بمعزل عن سموّ الثقافة والأخلاق هو ضربٌ من الهمجية. الذكاء الاصطناعي، كونه الذروة الحالية لهذا التقدم، ليس شرًا مُطلقًا ولا خيرًا مطلقًا؛ إنه مرآة تُظهر أولوياتنا وقيمنا كمجتمع. تكمن الخطورة عندما نُسلم له عقولنا وقلوبنا، عندما نستبدل السؤال بالجواب الجاهز، والحوار بالخطاب الأحادي، والنقد بالاستهلاك السلبي.

في هذا الزمن السائل، تبرز الصحافة كخط الدفاع الأخير عن المعنى والإنسانية. مستقبلنا المعرفي لا يُقرره تطور خوارزمياتنا، بل يُقرره التزامنا بإخضاع هذه الخوارزميات لخدمة إنسانيتنا المشتركة، وحكمتنا الأخلاقية، وحاجتنا للتواصل والفهم. هذا هو التحدي الأكبر للصحافة في القرن الحادي والعشرين، وهذه هي رسالتها النبيلة التي لا غنى عنها: حراسة الضمير الجمعي في مواجهة سطوة الآلة.

"في الحداثة السائلة، تتفكك الروابط بين الأحداث والمعنى. تُنتج لنا المعلومات بلا حكمة، ومعرفة بلا مسؤولية."
زيجمونت باومان عالم الاجتماع البولندي
اخبار سورية الوطن 2_وكالات_الحرية
x

‎قد يُعجبك أيضاً

التعليم العالي تناقش إعادة هيكلة الهيئة العليا للبحث العلمي لتلبية متطلبات التنمية في سوريا

ناقش وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي خلال اجتماع مع الكادر العلمي والإداري للهيئة العليا للبحث العلمي برئاسة الدكتور نبيل قوشجي، إعادة هيكلة الهيئة وتحديد أولوياتها ...