آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » عقيدة زامير: ولّى زمن الاحتواء

عقيدة زامير: ولّى زمن الاحتواء

 

قاسم س. قاسم

 

 

 

أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، الثلاثاء الماضي، تبنّي جيش الاحتلال استراتيجية جديدة متعدّدة المحاور والمستويات، يمكن القول إنها تمثّل تحوّلاً جذرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، كونها تركّز على الاستعداد الدائم لحرب مفاجئة، وذلك استجابةً للدروس المستفادة من هجوم 7 أكتوبر. وترتكز هذه الاستراتيجية على فرضية اندلاع حرب مباغتة من كلّ الجبهات من دون إنذار مسبق؛ وهي فرضية أكّد زامير أنها أصبحت السيناريو المرجعي لخطط الجيش المستقبلية، متعهّداً بأنه «لا احتواء بعد الآن» لأي تهديد.

وجاءت تصريحات زامير في أثناء مؤتمر «قادة الجبهة الداخلية»، حيث عرض رؤيته للجيش في السنوات المقبلة؛ علماً أنه جرت العادة أن يضع كلّ رئيس أركان، مع تولّيه منصبه، خطة خمسية تشكّل جوهر عقيدته العسكرية. وكان أقرّ غابي أيزنكوت «خطة جدعون» و«عقيدة الضاحية»، في حين وضع أفيف كوخافي «خطة تنوفا». أمّا هرتسي هاليفي، فلم يتمكّن من إنجاز خطة مماثلة بسبب هجوم 7 أكتوبر والحرب التي تلته.

 

وتأتي الخطة الجديدة بعدما اضطرّ صانعو القرار في إسرائيل إلى إجراء تقييم شامل للمفاهيم الدفاعية بعد 7 أكتوبر، الذي أثبت أنّ الخطر «الوجودي» قد يأتي فجأة من جبهات متعدّدة، سواء من جانب منظمات مسلحة غير تقليدية مثل «حماس» و«حزب الله» و«أنصار الله» في اليمن، أو من قوى إقليمية كإيران. هكذا، أدركت إسرائيل أنّ الاعتماد على الاستخبارات والإنذار المبكر وحدهما لم يعد كافياً، وأنّ عليها تعزيز الجاهزية الفورية على مدار الساعة. ولذا، فقد كان من أوائل قرارات زامير إلغاء تقليد خفض الجاهزية في أثناء الأعياد، الذي كان معمولاً به سابقاً؛ إذ أظهرت التحقيقات أنّ أحد إخفاقات 7 أكتوبر تمثّل في وجود جنود موكلين بحماية الحدود في إجازة عيد «نور التوراة» الذي تزامن مع العملية.

 

وتقوم الاستراتيجية الجديدة على ضرورة أن يتعامل الجيش مع احتمال اندلاع حرب شاملة من دون إنذار مسبق (إطلاق صواريخ بعيدة المدى من إيران أو اليمن، وهجمات منسّقة من «حماس» في غزة و«حزب الله» في لبنان، وربما جبهات أخرى كسوريا، أو حتى اضطرابات داخلية، وصولاً إلى هجوم على مستوطنات الضفة الغربية، واحتمال اقتحام الحدود من الأردن)، على أنه الفرضية الأساسية في بناء قوته وتحضيراته، وأن تُختبر أي خطة عمليات أو تجهيزات لديه على أساس قابليتها لمواجهة هجوم مباغت واسع النطاق، شبيه بما جرى في 7 أكتوبر. كما ترتكز على إعادة ضبط حال الاستنفار في الوحدات الميدانية والاستخبارية، ورفع مستوى التأهّب على الحدود إلى درجات غير مسبوقة في زمن السلم حتى؛ وهي تتضمّن أيضاً اعتماد نهج هجومي استباقي ضدّ أي تهديد ناشئ، عوضاً عن الانتظار حتى يتعاظم هذا التهديد، ومنع أي محاولة من أعداء إسرائيل لتكديس القوات أو الأسلحة على الحدود، وإحباط تحوّل هذه الأخيرة إلى خطر استراتيجي.

وإلى جانب ما تقدّم، تشمل الاستراتيجية الجديدة إنهاء الثغرات الحدودية وتغيير عقيدة الانتشار، وذلك عبر تعزيز دفاعات الخطوط الأمامية بشكل دائم. وبحسب زامير، لن يُسمح بوجود نقاط رخوة في أوقات محدّدة، من مثل الأعياد أو ساعات الليل، بل سيُعمل على وجود قوات كافية وجاهزة قتالياً دائماً على طول الحدود الساخنة (غزة ولبنان والضفة الغربية والجولان). أيضاً، يعمل الجيش، بموجب استراتيجية زامير، على تكثيف العمليات الوقائية على جميع الجبهات، حتى خارج أوقات الحرب المعلنة.

أمّا على الصعيد الداخلي، فتعدّ الاستراتيجية جاهزية الجبهة الداخلية «مفتاح النجاح» في الحرب المقبلة، والسلطة المحلّية «حجر الزاوية الأهم»؛ ولذا، فهي توصي بتعزيز دفاعات «المواطنين»، بما يشمل الملاجئ وأنظمة التحذير المسبقة والتوعية بآليات التصرّف في حالات الطوارئ، باعتبار ذلك جهداً مكمّلاً للجهد العسكري.

 

ولم تكتفِ إسرائيل بإعلان التغيير النظري، بل ترجمته إلى سلسلة من الإجراءات العملية لتعزيز جاهزية جيشها على المستويات كافة، في مقدّمها تمارين مفاجئة لاختبار فاعلية الاستعدادات. وفي هذا السياق، أُطلقت، في آب/أغسطس من العام الماضي، مناورة «الفجر» المفاجئة وواسعة النطاق، التي أشرف عليها زامير، وتميّزت بعدم إبلاغ الوحدات مسبقاً بموعدها. إذ أُخطرت حينها قيادات الجيش بوقوع هجوم شامل «وهمي» من عدّة محاور، بهدف تقييم سرعة الاستجابة واتخاذ القرار، والقدرة على الانتقال من حال الروتين إلى حال الطوارئ في لحظات، فيما راقب عسكريون مستقلّون أداء القيادات وزمن ردّ الفعل وجودة القرارات المتّخذة.

وبعد المناورة بأربعة أشهر، نشر زامير تقريراً داخلياً حول دروس 7 أكتوبر، أوصى فيه باعتبار «الحرب المفاجئة» بوصلةً دائمة لجاهزية الجيش، ووضع معايير تدريب وتأهّب صارمة تستند إلى أسوأ السيناريوهات المحتملة. وتكرّرت مثل هذه التمارين الفجائية على مستويات مختلفة، لضمان بقاء الوحدات منتبهة في كل الأوقات، لا في مواعيد التدريبات المجدولة فقط. كما أنها لم تكن محصورة بالمستوى العسكري فحسب، إنما شاركت فيها الجبهة الداخلية أيضاً، وحتى الحكومة نفسها.

 

يبقى التحدي أمام إسرائيل، هو مدى تحمّلها العيش بهذه الطريقة وعدم فقدانها الاهتمام مع طول مدّة الهدوء

 

 

وإلى جانب ذلك، أجرى جيش الاحتلال مراجعات تنظيمية وتعديلات في العقيدة العسكرية، تمثّل أهمّها بإلغاء الإجازات في الأعياد والعطل الرسمية، في ما كان يُعرف سابقاً بمدّة «الصمت» التي كان يجري فيها تقليص القوات المناوبة بنسبة 50%. كذلك، شُدّدت إجراءات المناوبة الليلية، ولا سيّما ما يُعرف بـ«إنذار الفجر»، الذي يعني التحقّق الروتيني من جاهزية الوحدات قبيل طلوع الشمس حيث يبلغ النعاس مداه. وفي السياق نفسه، صدرت أوامر بمراجعة خطط الدفاع عن القواعد العسكرية والمنشآت، وتدعيمها ضدّ أيّ هجوم مباغت. كما فُرضت تدريبات دورية للوحدات المناوبة على سيناريوات دفاعية، من مثل التصدي لإغارة مفاجئة على مواقعها أو اقتحام قاعدة.

أمّا على صعيد «المجتمع المدني» والجبهة الداخلية، فقد أثبتت المواجهات الأخيرة، ولا سيّما حرب غزة 2023 وحرب إيران 2025، أنّ قدرة «المدنيين» على الصمود واتّباع التعليمات تقلّل الخسائر وتساعد الجيش على أداء مهامه من دون إرباك. وبناءً على ذلك، شرعت الحكومة والجيش في برامج لتدريب السكان على التعامل مع حالات الطوارئ والحروب المفاجئة، توازياً مع تعزيز البنية التحتية المدنية للحماية. كما عُقدت ورش عمل ودورات تدريبية لرؤساء البلديات والفرق البلدية حول إدارة الأزمات في أثناء الحروب، بما شمل تحديث خطط الطوارئ في كل مدينة وبلدة، وإجراء تدريبات محاكاة للقصف والإخلاء على المستوى المحلي.

 

وإذ تمثّل أحد الدروس المستخلصة من حرب أكتوبر 2023، في تحسين التنسيق بين المستويات العسكرية والأمنية من جهة، وبين المستويات المدنية من جهة أخرى، فقد شدّدت الاستراتيجية الجديدة على تكامل عمل الجيش مع سائر مؤسسات الدولة لضمان استجابة شاملة وفاعلة عند الطوارئ، وهو ما أعقبه وضع آليات تنسيق وتعاون لإدارة الأزمات. أمّا على المستوى الاستراتيجي، فقد دفعت الحرب الأخيرة إسرائيل إلى تأسيس «مجلس تنسيق أعلى للطوارئ» يضمّ كبار ضباط الجيش ومسؤولي الوزارات المعنية، ويرأسه وزير الأمن، وتتمثّل مهمّته في تقييم جاهزية الجبهة الداخلية دورياً، ومدى تقدّم خطط التحصين المدني، ومستوى تدريب الأجهزة المختلفة. كما يتولّى المجلس تمارين محاكاة على المستوى الوزاري؛ وهو اجتمع في أواخر 2025 لإجراء مناورة مكاتب لكبار المسؤولين تحاكي اندلاع حرب مفاجئة. وكان أظهر تقرير مراقب الدولة أنّ غياب إطار شامل للتأهّب سابقاً، أدّى إلى ترك بعض المسؤوليات مبهمة بين الجهات المختلفة. لكن عبر هذا المجلس التنسيقي، جرى توضيح الصلاحيات؛ فالجيش مسؤول عن المعلومات الاستخبارية والتحذير وضرب مصادر التهديد، والحكومة مسؤولة عن حماية «المواطنين» واستمرار الخدمات، في حين تؤمّن الربط بينهما قيادة الجبهة الداخلية وسلطة الطوارئ الوطنية.

 

وفي ردود الفعل على تلك الاستراتيجية، لاقى التحوّل نحو الهجوم الاستباقي ترحيباً لدى خبراء عسكريين في مراكز أبحاث مرموقة، من مثل «معهد القدس للاستراتيجية والأمن» (JISS)، اعتبروا أنّ تبنّي سيناريو «الحرب المفاجئة» كمرجعية يمثّل تحوّلاً جوهرياً في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي طال انتظاره. وكتب الباحث يعقوب لابين أنّ أهمّ درس من أحداث 7 أكتوبر هو ضرورة إعادة تقييم العقيدة الإسرائيلية التي اعتمدت لعقود على الردع والاحتواء، اللذين ثبتت خطورتهما وقصورهما عن فهم عقلية العدو.

وفي المقابل، أشار آخرون إلى كلفة الاستراتيجية الجديدة على المدى الطويل؛ إذ إنّ الحفاظ على حال تأهّب قصوى بصورة دائمة يرهق القوات، وقد يستنزف جاهزية الاحتياط، وربما يؤثّر في الاقتصاد خصوصاً إذا ما استمرّ تجنيد أعداد كبيرة لمدد ممتدّة؛ علماً أنه في مرحلة ما بعد أكتوبر 2023، جُنّد مئات الآلاف من جنود الاحتياط لمدد طويلة، ما أثّر في سوق العمل وأثار استياء عائلاتهم.

في المحصّلة، تُجمع الآراء الجادّة على أنّ الاستراتيجية الجديدة كانت استجابة حتمية لواقع تغيّرت معطياته؛ ويصفها معلّقون بأنها «عودة إلى استراتيجية دافيد بن غوريون» ولكن بحلّة عصرية: أي التركيز على الإنذار المبكر والتعبئة السريعة (رغم عدم تحقّق الإنذار أحياناً)، المقرونين بضربة وقائية عند الضرورة. لكن يبقى التحدي أمام إسرائيل، هو مدى تحمّلها العيش بهذه الطريقة وعدم فقدانها الاهتمام مع طول مدّة الهدوء (إن حدثت مستقبلاً)، كما حصل مراراً من قبل.

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في أحدث مؤشر على التعاون.. كراكاس تجري محادثات مع واشنطن بشأن استئناف العلاقات الدبلوماسية.. وترامب يلتقي مسؤولي شركات نفطية لبحث خططه للوصول لاحتياطات النفط الخام في فنزويلا

تجري فنزويلا السبت محادثات مع مبعوثين أميركيين في كراكاس بشأن استئناف العلاقات الدبلوماسية، وذلك بعد أيام من اعتقال القوات الأميركية نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات ...