عبدالله سليمان علي
جرت معركة أحياء حلب ذات الغالبية الكردية ضمن هامش سياسي مضبوط، لا في فراغ دولي كما قد يوحي المشهد ظاهرياً. لم تتعرّض دمشق لضغوط خارجية مباشرة لوقف استخدام القوة، كما لم تلجأ قوات سوريا الديموقراطية (قسد) إلى توظيف ثقلها العسكري الكامل دفاعاً عن الأحياء، في التزام غير معلن بقواعد اشتباك رُسمت خارج الميدان. هذا “الحياد الدولي” لم يكن حياداً سياسياً بقدر ما كان إدارة دقيقة لسقف التصعيد وحدوده.
التغيّر في خريطة السيطرة لم يُحدِث تحولاً بنيوياً في موازين القوى، بقدر ما سحب ورقة تفاوضية محدودة من أيدي القوات الكردية، ومنح دمشق هامشاً زمنياً لإعادة ترتيب مقاربتها لملف شرق الفرات. فهذه الأحياء كانت محاصَرة استراتيجياً، لكنها لم تكن ساقطة تكتيكياً، ومع ذلك لم يكن حسمها بلا كلفة سياسية أو رمزية.
الأخطر مما كشفته المعركة كان إعادة إحياء ورقة العشائر كأداة اختراق لصفوف “قسد” ومناطق سيطرتها. فثغرة الأشرفية، المرتبطة بعناصر من عشيرة البكّارة العاملة سابقاً ضمن “لواء الباقر”، تُظهر قابلية هذا المسار للاختراق داخل بنية “قسد”، بما يفتح المجال أمام دمشق للاستفادة من هذا العامل في مقاربتها لملف شرق الفرات، ولا سيما في ظل وجود جهاد الشيخ (أبو أحمد زكور) في منصب مستشار الرئاسة لشؤون العشائر، المعروف بعلاقاته الواسعة مع العشائر وانتمائه إلى عشيرة البكّارة نفسها.
ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع المعركة، بدأت المواكبة الدولية لمجرياتها، إذ كشفت شبكة الاتصالات عن اصطفاف دولي واضح، وإن جرى التعبير عنه بلغة التهدئة. فسعت فرنسا، التي تربطها علاقات جيدة مع “قسد”، منذ بدايات المعركة إلى ضبط مسارها عبر قنوات الاتصال. وفي المقابل، كانت تركيا، صاحبة المصلحة المباشرة في هزيمة “قسد”، ميّالة إلى تشجيع الحسم العسكري، ولا سيما في ظل تهديداتها السابقة بالتدخل في حال عدم تنفيذ اتفاق آذار/مارس. أمّا الاتصال بين الرئيس أحمد الشرع والزعيم الكردي مسعود بارزاني، فحمل رسالة مباشرة تعبّر عن رغبة دمشق في عدم الإخلال بالتوازن القائم.
في السياق نفسه، عكس الموقف الأميركي – من تصريحات الرئيس دونالد ترامب وصولاً إلى تحرّك المبعوث توم براك – تعاملاً حذراً مع تطورات المعركة قبل بلورة موقف نهائي. أمّا غياب روسيا فشكّل مؤشراً إلى خروج متعمّد من إدارة هذا الملف، لا عجزاً عن التدخل.
وبينما بدا ترامب حذراً في استخدام مصطلحاته لدى سؤاله عن التصعيد بين “قسد” ودمشق، مشيراً إلى علاقات بلاده الجيدة مع الطرفين، جاء بيان المبعوث الأميركي توم براك أكثر تفصيلاً، متجاوزاً تطورات المعركة إلى تحديد معالم السياسة الأميركية في الملف السوري.
يندرج بيان براك في خانة “تثبيت الإطار” أكثر من كونه تعليقاً على معركة حلب وحدها. فهو يربط التطورات الميدانية مباشرة بـ”المرحلة الانتقالية” وبفكرة “الفرصة” التي رافقت قرار رفع العقوبات، بما يجعل معيار الحكم ليس مَن ربح الأرض، بل هل السلطة الانتقالية – ومعها القوى الشريكة أو الخصوم – قادرة على إدارة الخلاف ضمن قواعد سياسية ومؤسسية تمنع الانزلاق إلى منطق الغلبة والعنف. وبهذا المعنى، يقدّم البيان دعماً واضحاً لمسار قيام دولة موحّدة ومؤسسات وطنية جامعة، لكنه يضع هذا الدعم داخل سقف سلوكي: احترام التنوع، والمشاركة “ذات المعنى” في الحكم والأمن، وعدم تحويل الوقائع الميدانية إلى بدائل من المسار السياسي.
وفي ميزان الأطراف، يتعمّد البيان الحفاظ على لغة متوازنة لا تمنح أفضلية لفظية لطرف على آخر: فهو يثبّت شرعية القيادة السورية الانتقالية عبر اللقاء الرسمي وبالنيابة عن ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، وفي الوقت نفسه يقدّم لقوات سوريا الديموقراطية اعترافاً ثقيلاً بدورها وتضحياتها بوصفها ركناً أساسياً في قتال “داعش” ضمن “العزم الصلب”. غير أن هذا الاعتراف لا يأتي لتكريس وضع قائم، بل لربطه بمرجعية اندماج واضحة هي اتفاق آذار 2025 وما تلاه من تفاهمات، باعتبارها الإطار الناظم للعلاقة بين دمشق و”قسد”. وبناءً على ذلك، فإن قلق واشنطن من تطورات حلب لا يتركّز على النتائج العسكرية بقدر ما يتركّز على خطر تقويض مسار الاندماج وفتح الباب أمام عودة المقاربات الأمنية الصرفة والتدخلات الخارجية التي يحذّر منها البيان.
أمّا على مستوى الأدوات، فيظهر التحوّل الأهم في إسناد دور “المُيَسِّر” لفريق وزير الخارجية، بما يوحي بأن واشنطن تريد نقل إدارة الخلاف من قنواته العسكرية التقليدية إلى مسار سياسي–تنفيذي مرتبط ببناء المؤسسات ودمج القوى تحت سقف “جيش وطني واحد” ودولة واحدة ذات سيادة. التيسير هنا لا يعني ضماناً ولا فرضاً للحلول، بل تثبيتاً لقواعد اللعبة وإبقاء الجميع داخلها: وقف الأعمال العدائية، والعودة إلى الحوار، والاحتكام إلى الاتفاقات. وبذلك يصبح البيان أداة لضبط إيقاع المرحلة المقبلة: دعم مشروط بالمسار، وتوازن في اللغة تجاه الأطراف، وتأكيد على أن اختبار حلب الحقيقي هو قدرة الجميع على العودة إلى السياسة قبل أن تتّسع كلفة الميدان.
مع ذلك، تبدو العودة إلى المفاوضات مهمة معقّدة. فدمشق مطالَبة بإظهار أن الحسم الميداني ليس بديلاً من المسار السياسي، فيما تواجه “قسد” تحدّي ترميم الثقة داخل بيئتها وإعادة الانخراط في ترتيبات الاندماج. وبين الطرفين، يظل عامل الزمن مساحة اختبار لجدّية الالتزام، لا مجرّد ضغط خارجي.
وبهذا المعنى، لا تبدو معركة حلب خاتمة لمسار التفاوض بين دمشق و”قسد”، بل محطة أعادت ترتيب شروطه وحدود إيقاعه ضمن سياق المرحلة الانتقالية.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
