آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » المسرح العربي المعاصر.. إلى أين؟

المسرح العربي المعاصر.. إلى أين؟

محمد قاسم الساس

 

المسرح هو واحد من أشكال الفنون المختلفة، ومكان للأداء والتمثيل، ويُسمّى بأبي الفنون، وهذا دليل على رِفعة مكانته وأهميته، وكثيراً ما تتداول بين الناس مقولة: أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً، كما أنّه المكان الذي يجسّد أو يترجم القصص والنصوص الأدبية أمام المشاهدين، وذلك باستخدام مزيج من الكلمات وبعض الإيماءات والموسيقى والصوت على خشبته.

 

منذ بدء المسرح كان ولا يزال يمثّل مكاناً ينبض بالحياة ليعبّر عن المشاعر المختلفة، والظروف المعيشية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث تكمن أهميته في تمثيل الواقع وعكس كل ما يحصل فيه، وهو يمثّل جميع القضايا التي تحصل في المجتمع بصورة واضحة أمام الناس.

 

يحلّ فن المسرح الكثير من المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع، فهو يكشف الغطاء عنها، ويقدّم للناس بعض الحلول، ويزيد نسبة الوعي لدى المجتمع لما يدور فيه من أمور مختلفة تمس نمط حياتهم، ويُعدّ فن المسرح نوعاً من التسلية والترفيه عن النفس، فيقضي الناس بعض أوقاتهم لمشاهدة هذه المسرحيات للترفيه عن أنفسهم، وبعث نوع من الراحة من الضغوط الكثيرة للحياة وأشغالها، ويمكن تعريف المسرحية بأنها شكل فني مقلِّد لحدث ما، عن طريق محادثة بين شخوص على خشبة المسرح.

 

فما هو حال المسرح العربي المعاصر؟ وكواليس العمل فيه؟ ما هي التحديات التي يواجهها؟ وما هي سبل تطويره مقارنة بالمسرح الغربي؟ أسئلة كثيرة تُطرح اليوم، تبحث عن جوابٍ شافٍ يرصد واقع الحال الآني.

 

الإنتاجات المستقلة.. محاولات للخروج من عباءة الرقيب

صحيفة “الثورة السورية” التقت بالفنان المسرحي والممثل شادي مقرش، الذي كشف رأيه حول المسرح العربي وواقعه الحالي، قائلاً: “أرى أن المسرح العربي لا يزال خاضعاً لسلطة الرقابة، بما فيها الثالوث المحرّم ـ السياسة والدين والجنس ـ ومن هنا لا أتوقع في أي دولة تتحكم فيها القرارات السياسية المتسلطة أحادية الجانب أن يقوم فيها مسرح حقيقي، إلى جانب وجود أحكام مطلقة لا تسمح بإبداء الرأي بحرية، الأمر الذي سينعكس سلباً على وجود أعمال مسرحية خلاقة، تبعاً لغياب حرية التعبير التي تتيح سبلاً أفضل لتقدّم فن جيد، فيما عدا بعض الإنتاجات المستقلة التي تسعى جاهدة للخروج من عباءة الرقيب، متجهة نحو مكان بعيد عن هذه الأطر الرقابية، سعياً منها لتقديم وجهات نظر مختلفة، على الأقل للمجتمعات الغربية، عندما تشارك في عروض ومهرجانات خارجية، حيث لا أعتقد أن وضع المسرح العربي الآن يبشّر بالخير، للأسف”.

 

وحول شكل الطرح الفني المتّبع حالياً في المسرح العربي، انتقد “مقرش” الطرق التي لا تزال حاضرة إلى اليوم، والتي تتخذ المدارس القديمة نهجاً لها، قائلاً: “نحن في وادٍ والمسرح الغربي في وادٍ آخر، بالشكل الفني والطرح الذي تُقدَّم به العروض الآن، ومتعبٌ ومحزن أننا لا نزال، لغاية اليوم، نعرض نتاجنا المسرحي بقوالب قديمة بعيدة عن التجديد”.

 

وعمّا إذا كان المسرح “أبو الفنون” كما يقال، أجاب “مقرش”: “ما عاد بالإمكان وصف المسرح بذلك، بخاصة وأن الفنون باتت كثيرة ومتشعبة جداً في عصرنا الحالي، مع وجود التكنولوجيا التي أفرزت فنوناً جديدة، وأعتقد أن كل فن خلاق يمكن تسميته بـ”أب الفنون”، تماماً كما المسرح عندما يكون خلاقاً، من ناحية الموضوع ومضمون الطرح وشكل العرض، حيث تنطبق هذه التسمية، برأيي، على أهمية النتاج الفني أكثر مما تنطبق على الجنس الإنتاجي الإبداعي”.

 

وعمّا يواجه الفنان المسرحي من ضعف الأجور التي يتقاضاها مقابل عمله في المسرح، ما جعل كثيراً من الفنانين يبتعدون عن المسرح، أكد الفنان “مقرش” أن هذه المسألة موجودة في العالم أجمع، حيث لا تتناسب الأجور مع الجهد المبذول من قبل الممثل المسرحي وجميع من يشارك في إنجاز العمل المسرحي، إذ غالباً ما تكون متواضعة.

 

وأضاف: “لا أعتقد أنه سيتم تحسين هذا الشرط في المستقبل إلا فيما ندر، حيث توجد بعض التجارب الخاصة التي تتلقى دعماً مالياً مختصاً وثقافياً، حتى هذا الدعم غالباً ما يأتي على مراحل ومواسم معينة وفترات قصيرة، وضمن مشاريع محدودة الزمان والمكان، مما لا يؤمّن للفنان حالة استقرار مالي، بالتالي لا يمكننا التفرغ للعمل في المسرح أكثر من 3 إلى 6 أشهر كأقصى حد، في حال توافر هذا الدعم الجيد”.

 

وعن السبب الكامن وراء توجّهه نحو المسرح، أوضح “مقرش”: “هو ليس تفرغاً بقدر ما هو توفّر لحظات ملحّة تنتاب عقلك كفنان، طارحةً عليك سؤالاً: أيّ منبر عليك التواجد من خلاله لطرح وجهة نظرك الخاصة؟ المسرح هو المكان الذي تستطيع فيه طرح الأسئلة، والانطلاق نحو الأفق، وفتح حوارات عدة حول ما يحدث في هذا العالم المجنون”، وتابع: “عندما عملت مؤخراً بشكل أوسع في المسرح، كان الظرف بشكل عام مناسباً بالنسبة لي، حيث قدّمت من خلاله أشياء أدافع عنها، وأحبها ومؤمن بها، وبالتالي أرضتني، ولا أخفيك بأن المسرح بالنسبة لي، كممثل، هو مكان للتطهير الروحي، بخلاف التلفزيون والسينما كمشروعين مختلفين، حيث لكل واحد منهما ظرفه وشروطه الخاصة به”.

 

وعن الذي يجذب الجمهور لحضور عرض مسرحي، أجاب “مقرش”: “أعتقد أن العرض الجيد هو الذي يجذب الجمهور، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود منصات التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا)، التي من خلالها نستطيع أن نروّج للعمل المسرحي دون تكاليف باهظة الثمن، بخاصة أن الإعلان وسيلة ضرورية لإعلام الجمهور بالعرض وجذبه في البداية، وهو من سيتكلم عن العرض المسرحي لمحيطه ومجتمعه ووسطه في حال كان عرضاً خلاقاً مميزاً ومتفرداً”.

 

وأضاف: “مسألة المراهنة على عرض مسرحي سيجلب لك الجمهور سلفاً موضوع غير وارد، بخاصة مع وجود مناطق وأوساط وطبقات ومجتمعات غير مثقفة مسرحياً، حيث لا تتوفر لديها ثقافة حضور عرض مسرحي جاد بشكل دائم ومستمر، أسوة بالسينما، أو أن تواظب على المتابعة كالتلفزيون، وهذا طبعاً له أسباب عدة، فالجمهور العام غالباً ما يأتي إلى العمل الترفيهي هرباً من ضغوط الحياة اليومية، أما جمهور المسرح فهو من يتابعه في كل مكان وزمان”، وفي حال توفرت معادلة العرض الجيد مع المتعة والفائدة، سينتج بالتأكيد جمهور مسرحي.

 

وأكمل: “نحن في النهاية لا نطمح أن تكون صالات العرض مكتظّة دائماً بالجمهور، عندما أجد صالتي قد امتلأت بالحضور خلال أيام العرض العشرة، أشعر بالإشباع، وتنتابني حالة رضا ضمن السياق العام الذي نشهده بالنسبة لبلداننا العربية، على عكس المجتمعات الغربية التي تتوفر لديها ثقافة المسرح، ما ينعكس إيجاباً على النتاج المسرحي مقارنة بالوضع العربي”.

 

ولفت إلى أن “حضور ثقافة المسرح بشكل كبير في الغرب يأتي من خلال تعليمه في المدارس، وكثرة المسارح، مع توفر كم هائل ومتنوع من العروض، الأمر الذي سيولّد نتاجاً مسرحياً مهماً تُطرح من خلاله قضايا سياسية واجتماعية وأخلاقية معاصرة وراهنة، كما سيفتح تساؤلات عدة حول ما يحدث في هذا العالم بعمق من جهة، وداخل الوجدان الإنساني بكل حرية من جهة أخرى”.

 

ورأى “مقرش” أنه لا توجد قائمة تحتوي على أفضل المسارح العربية، لأن المسألة لا تتعلق باسم البلد بحد ذاته وماذا ينتج، قائلاً: “قد تجد في اليمن أناساً خلاقين وموهوبين، ولكن لا أحد يعلم بهم، وآخرون مشهورون في مصر مثلاً، ولكن نتاجهم الفني أقل من عادي، هذا يعني أن المعادلة تكمن في وجود مسرح جاد ومعبر وخلاق، مكوّن من أناس موهوبين، مع مسرح آخر له شروطه المختلفة”.

 

شحّ الإنتاج معاناة دائمة للفنان المسرحي

قال المخرج المسرحي والفنان “أسامة حلال”: “في حال أردنا الحديث عن البناء المسرحي والأماكن وصالات العرض، فهناك الكثير منها في المنطقة العربية، ولكن إذا أردنا التكلم عن فسح المجال للمسرح وفنانيه للبحث والعمل على أسئلة تعني المجتمع وتناقش وتطرح تساؤلات جدلية، نجد أننا في حال ليس بجيد، فالمسرحي ونتاجه أهم من البناء المسرحي”.

 

وأضاف: “أرى أن المسرح يحمل من الخطورة ما يجعله فناً خاصاً، اللحظات التي نخلقها كفنانين بعملنا وبالتواصل المباشر مع الجمهور تجعل من المسرح فناً خطيراً، فاللحظة تُخلق وتموت في كل عرض، ويدخل الممثل في طقس مسرحي دائم لإعادتها في كل مرة يقدّم عرضه المسرحي، ما يجعل من المسرح فناً خاصاً وصعباً لا محالة”.

 

وحول مشاهداته المسرحية في المنطقة العربية وتجربته الخاصة في الإخراج المسرحي، أجاب “حلال”: “هناك تجارب مسرحية مستقلة، وهي ملهمة وجدية في بحثها من حيث الشكل والمضمون وقربها من أحداث الشارع ومشاكل الإنسان العربي، وهي متوفرة في كل من لبنان وسوريا وفلسطين وتونس والمغرب وغيرها، ولا يمكن تطوير المسرح إلا من خلال المسرح المستقل، باستقلالية إبداعية من دون رقيب، وأعتقد أن الفنان المسرحي يعاني دائماً من شحّ الإنتاج، أينما كان ومهما كانت جنسيته، أما إذا أردنا الحديث عن المسرح الذي يتبع لوزارات الثقافة العربية، فلا يمكنني الحديث عنه، لا يعنيني.. لا أفهمه.. ولا أفهم نشاطاته”.

 

وأضاف: “الفنان المسرحي الذي يناقش أسئلة تعنيه، وتعني ارتباطه بمن حوله، والذي يعمل بجد، حتماً ستصل أعماله إلى الجمهور، وهناك الكثير من الأمثلة، لا أعلم لماذا هذه الصورة النمطية القائلة إن المسرح يفتقد للجمهور؟! هناك العديد من التجارب المسرحية لفرق وفنانين مستقلين نشاهد تفاعلاً كبيراً مع عروضهم من قبل الجمهور، أما بالنسبة لدور المسرح الآني، فقد كان وسيبقى البحث عن أسئلة ليقدّمها للجمهور، المسرح يحاكيهم، ويقول لهم في بعض الأوقات كيف عليهم أن يفكروا أو أن يروا الحدث بهذه العين أو تلك، ولماذا”.

 

وعن تجربته الإخراجية مع فرقة كون المسرحية، قال “حلال”: “نتعامل مع المسرح كنوع فني لا يملك جنسية ولا جواز سفر، ما يهمنا هو التواصل والتفاعل مع الجمهور، مع الإنسان، بغض النظر من أي مكان قادم أو إلى أين ينتمي، وبالرغم من السياسات الثقافية الموجودة في المنطقة العربية، وأقصد هنا القوانين والقائمين عليها، فإننا بحاجة إلى إعادة التفكير بها بشكل جدي، وإعطاء هذا الفن دوره الحقيقي، مع التخلص من الفساد الثقافي والبيروقراطية الثقافية، لا نريد مهرجانات وأبنية فقط من أجل الاحتفال، بل نريد أن يُسأل بجد: ما هي حاجات الفنان المسرحي؟”.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاجتماع التحضيري لمؤسسي “نادي اقرأ مع أصدقاء اتحاد الكُتّاب” في طرطوس

  بمبادرة من فرع طرطوس لاتحاد الكتاب ومجموعة من سيدات وسادة مهتمين بالشأن الثقافي عقد اليوم اجتماع تحضيري لتأسيس “نادي اقرأ مع أصدقاء اتحاد الكتاب” ...