نهلة ابوتك :
مع الهطولات المطرية الجيدة التي شهدتها البلاد هذا الموسم، عادت مفردة سنة خير إلى التداول الشعبي، حاملة معها آمال المزارعين في إنقاذ موسم أنهكه العجز المائي وارتفاع تكاليف الإنتاج، غير أن هذه الأمطار رغم أهميتها، تضع الزراعة السورية أمام اختبار حقيقي: هل تتحول إلى فرصة نهوض عبر التخطيط وإدارة الموارد، أم تُضاف إلى سجل الهدر الموسمي في قطاع لم يعد يحتمل خسائر جديدة؟
الزراعة السورية بين الهدر والعجز المائي
لم تعد الزراعة في سوريا نشاطاً موسمياً مضمون العائد، بل تواجه اليوم عجزاً مائياً متصاعداً يضغط على الموارد ويرفع كلفة الإنتاج، ويضعف الجدوى الاقتصادية للمحاصيل التقليدية، بين شح المياه وغياب التخطيط، تحوّلت الأرض من مصدر أمان إلى عبء يهدد استمرارية آلاف الأسر الريفية.
اليوم، السؤال لم يعد: كيف نزرع؟ بل: أين نزرع؟ ماذا نزرع؟ وبأي كلفة مائية ومعيشية؟
حين يتحول الاعتياد إلى خسارة
لا تزال الزراعة تُدار بعقلية التكرار لا التخطيط، حيث تُزرع محاصيل شرهة للمياه في مناطق تعاني العجز المائي، فقط لأن هذا النمط اعتُمد لعقود والنتيجة: هدر الموارد، ارتفاع التكاليف، تراكم الديون، وهجرة المزارعين أو التفريط بالأرض.
يقول الخبير الزراعي الدكتور إبراهيم صقر لـ”الحرية”: الزراعة التقليدية لم تعد قادرة على الصمود في ظل العجز المائي، المشكلة ليست الأرض بحد ذاتها، بل زراعتها بمحاصيل لا تتناسب مع الواقع المناخي والمائي.

أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة ندرة
العجز المائي لا يعني غياب المياه، بل سوء إدارتها واستنزافها بلا حساب، الري العشوائي والضخ غير المنظم يرفعان كلفة الإنتاج ويضعان المزارع في دائرة خسارة مستمرة.
ويضيف الدكتور صقر: الزراعة الحديثة تُقاس اليوم بقدرتنا على إدارة كل نقطة مياه، والاستمرار بالأساليب القديمة في ظل العجز المائي هو استنزاف مزدوج للمورد والمزارع.
فرصة إنقاذ مهدورة
الهطولات المطرية الأخيرة أعادت بارقة أمل للمزارعين، ولا سيما في المناطق البعلية، لكنها وضعت الزراعة السورية أمام اختبار حقيقي: تحويل فرصة المطر إلى نهوض زراعي عبر التخطيط وإدارة الموارد، أو إهدارها كما جرت العادة.
ويؤكد الدكتور صقر: كل متر مكعب من مياه الأمطار لا يُحصَد ولا يُخزَّن هو خسارة اقتصادية مباشرة، تنعكس على الإنتاج والدخل وحتى على فاتورة الاستيراد الغذائي، ويشير إلى أن إدارة الأمطار جزء لا يتجزأ من إدارة الزراعة، وأن البنية التحتية المائية، بما في ذلك السدات والخزانات، أساسية لاستثمار الموسم بشكل فعّال.
الحل الواقعي
الخبرة الزراعية الحديثة، كما يوضح الدكتور صقر، تقتضي الانتقال إلى الزراعة الاقتصادية القائمة على: اختيار محاصيل متوافقة مع الواقع المناخي والمائي، و اعتماد تقنيات الري الحديث والري الذكي ، مع جدولة الري وفق الحاجة الفعلية للنبات، والاستفادة من الخرائط الزراعية والأبحاث المحلية.
ويضيف الخبير الزراعي: الزراعة الاقتصادية لا تعني تقليص الإنتاج، بل تقليل المخاطر وتحقيق دخل أكثر استقراراً للأسرة الريفية.
دعم صناعي للأرض
تشكل إعادة تشغيل معمل الفوسفات دعماً مباشراً للزراعة، من خلال تحسين خصوبة التربة وخفض كلفة الأسمدة، وتقليل الاعتماد على المستورد، ما يمنح المزارع فرصة أفضل للصمود واستثمار الموسم المطرى.
البعد الاجتماعي
تداعيات العجز المائي تمتد إلى المجتمع الريفي، فضعف الجدوى الاقتصادية يدفع الشباب إلى الهجرة ويُفرغ الريف من طاقته البشرية، مهدداً الأمن الغذائي.
فالزراعة المدروسة تصبح خط دفاع اجتماعياً لأنها: تحمي دخل الأسرة ، و تقلّل الديون، وتثبّت السكان في أرضهم، كما تعيد الثقة بالعمل الزراعي.
ويختتم الدكتور صقر بالقول: في ظل التغير المناخي والعجز المائي، لم تعد الزراعة مسألة تقليد أو انتظار موسم، بل قرار بقاء يمسّ الأمن المعيشي والغذائي، والانتقال إلى زراعة مدروسة، تدير المياه وتحسن استثمار المطر، هو الطريق الوحيد لإنقاذ الأرض والمزارع.
فالزراعة اليوم ليست مجرد موسم… بل معركة بقاء.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
