آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » نهاية الصيغة الهجينة: السلاح، الدولة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

نهاية الصيغة الهجينة: السلاح، الدولة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

 

د. سلمان ريا

لم يعد النقاش الدائر في المنطقة حول السلاح خارج إطار الدولة مجرد جدل قانوني أو دستوري، بل تحوّل إلى صراع مفتوح على معنى الدولة نفسها. ما يجري في سوريا ولبنان والعراق ليس مسارات منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن أزمة واحدة: أزمة أنظمة حكم قامت طويلًا على صيغة هجينة سمحت بتقاسم السيادة بين الدولة وقوى مسلحة غير خاضعة لها بالكامل، ثم حاولت لاحقًا إدارة هذا التناقض بدل حسمه.

هذه الصيغة الهجينة بدت، لسنوات، مستقرة وقابلة للاستمرار. في بعض الحالات، قُدّمت بوصفها “مقاومة”، وفي أخرى كضرورة أمنية، أو كحل مؤقت فرضته الحروب والانهيارات. لكنها في جوهرها كانت دائمًا تسوية بين ضعف الدولة وحاجة الداخل، وبين مصالح الخارج ورغباته. اليوم، يبدو أن هذه التسوية تفقد شروط بقائها.

في سوريا، تتجه الأمور نحو إنهاء هذه الصيغة الهجينة بالقوة السياسية والعسكرية، وبغطاء إقليمي ودولي واضح. السبب لا يعود فقط إلى فائض قوة الدولة، بل إلى أن الصيغة الهجينة هناك كانت وظيفية ومؤقتة، مرتبطة بمرحلة الحرب على “داعش” وبحاجة أطراف دولية إلى شريك ميداني. ومع تغيّر المعادلات، انتهت الوظيفة، وانتهى معها هامش المناورة. ما يجري في الشمال الشرقي ليس صراعًا على حقوق أو إدارة محلية بقدر ما هو صدام بين منطق الدولة المركزية ومنطق سلطة أمر واقع فقدت مبرر وجودها.

في العراق، المشهد أكثر التباسًا. الدولة تعلن بوضوح مبدأ “حصر السلاح”، لكنها لا تمتلك القدرة أو الإرادة لحسمه. لذلك يُدار الملف عبر التفاوض والتأجيل، لا عبر القرار. الصيغة الهجينة هنا مقنّنة، ومُدمجة شكليًا في مؤسسات الدولة، لكنها مستقلة فعليًا عنها. هذا الوضع قابل للاستمرار مؤقتًا، لكنه هش، وينفجر عند أول اختلال إقليمي كبير.

أما في لبنان، فالمأزق أعمق وأكثر تعقيدًا. السلاح هناك ليس مجرد أداة عسكرية، بل جزء من بنية النظام السياسي غير المعلَن، ومن هوية جماعية تشكّلت على مدى عقود. لذلك لا يُناقش بوصفه مسألة سيادية فحسب، بل بوصفه مسألة وجودية تمسّ توازن الكيان نفسه. ولهذا السبب، يبدو أي حديث عن تفكيك الصيغة الهجينة وكأنه دعوة إلى إعادة تأسيس الدولة من جديد، لا إلى إصلاحها.

لكن هذه التحولات لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع: الصراع المفتوح، أو المؤجَّل، مع إيران، ومسار إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالصيغة الهجينة لم تكن ظاهرة محلية فقط، بل كانت إحدى الأدوات الأساسية لإدارة النفوذ الإيراني خارج حدوده، عبر فواعل مسلحة تؤمّن الردع وتوسّع المجال الحيوي دون الدخول في حرب مباشرة. اليوم، ومع تصاعد المواجهة بين إيران والغرب وإسرائيل، لم يعد هذا النموذج ميزة استراتيجية، بل تحوّل إلى عبء. الفواعل الهجينة باتت أهدافًا مباشرة، والدول التي تحتضنها أصبحت ساحات صراع مكشوفة. لذلك، فإن الضغط لإنهاء الصيغة الهجينة لا ينبع فقط من رغبة في “بناء الدولة”، بل من حاجة إقليمية ودولية لإعادة ضبط خطوط الصراع، وحصره بين دول واضحة، لا شبكات رمادية.

في هذا السياق، يُعاد رسم الشرق الأوسط على قاعدة دول مركزية أقوى، أو على الأقل أكثر وضوحًا في القرار، حتى وإن كانت سلطوية. المطلوب ليس ديمقراطيات مستقرة، بل كيانات قادرة على الضبط، وضمان الحدود، ومنع استخدام أراضيها كمنصات صراع بالوكالة. ومن هنا يمكن فهم التساهل الدولي مع الحسم في سوريا، والحذر في العراق، والضغط غير المباشر في لبنان.

المفارقة أن خطاب “السيادة” الذي يُفترض أن يكون جامعًا، تحوّل هو نفسه إلى ساحة صراع. يُستخدم أحيانًا لبناء الدولة، وأحيانًا كأداة ضغط خارجية، وأحيانًا كذريعة لتثبيت وقائع قائمة. وفي المقابل، لم تعد الجماعات المسلحة قادرة على تقديم نفسها كمشاريع مستقبل، بل كقوى تؤخّر الانهيار أو تمنع التحوّل، دون أن تقدّم أفقًا سياسيًا مقنعًا.

ما نشهده اليوم هو بداية نهاية زمن الصيغة الهجينة المفتوحة في الشرق الأوسط. ليس لأن الدولة استعادت عافيتها فجأة، بل لأن كلفة هذا النموذج أصبحت أعلى من فوائده، داخليًا وخارجيًا. الانتقال لن يكون سهلًا ولا متزامنًا بين الدول، وقد يمر بموجات عنف وتسويات ناقصة. لكن الاتجاه العام واضح: المنطقة تدخل مرحلة يُعاد فيها طرح الأسئلة الكبرى حول من يملك القرار، ومن يحتكر القوة، وما إذا كانت الدولة إطارًا جامعًا أم مجرد واجهة.

إنها لحظة انتقالية ثقيلة، لا تُحسم بالشعارات ولا بالنوايا، بل بميزان القوة وبإعادة تعريف الشرعية. وما بعدها لن يشبه ما قبلها، سواء نجحت الدول في استعادة مركزيتها، أو فشلت ودخلت في أشكال أكثر اضطرابًا من الصراع.

(موقع:أخبار سوريا الوطن_2)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معاناة المواطن مع الإنترنت مستمرة ..!!

      سليمان خليل   بطء شديد ومعاناة كبيرة يعيشها مشتركو الانترنت بعد سلسلة وعود حكومية برفع جودة خدمات الإنترنت وسرعته ، ووعود بتحسينات ...