د.سلمان ريا
يمثل توقيع اتفاقية إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) خطوة هيكلية محورية تعزز الاقتصاد الأزرق في سوريا، وتعيد تعريف المرافئ من مرافق خدمية إلى أصول إنتاجية صناعية قادرة على توليد قيمة مضافة وبناء قدرات تقنية وسيادية طويلة الأمد في قطاع استراتيجي. ويأتي المشروع ضمن الجهود الوطنية لتطوير الصناعات البحرية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالملاحة البحرية، بما يسهم في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز التنمية المستدامة.
تكمن أهمية المشروع في كونه من المشاريع كثيفة رأس المال وطويلة الأمد، وارتباطه بشبكة واسعة من الصناعات المعدنية والكهربائية والميكانيكية، ما يمنحه أثرًا مضاعفًا على الاقتصاد الوطني. ويعكس اعتماد نموذج BOT دون أي أعباء مالية على الدولة توجّهًا عمليًا نحو شراكات استراتيجية مدروسة بين القطاعين العام والخاص، تقوم على توزيع المخاطر وتعظيم العائد الوطني.
من الناحية الهندسية، يفرض إنشاء الحوض الالتزام الصارم بالمعايير الدولية، ولا سيما متطلبات هيئات تصنيف السفن المعترف بها ضمن منظومة IACS، في تصميم الأحواض الجافة والعائمة، وأنظمة الرفع والهياكل المعدنية وتجهيزات الورش وشبكات الطاقة والسلامة الصناعية. كما يشترط التشغيل الامتثال الكامل للمعاهدات والاتفاقيات البحرية الدولية، بما فيها اتفاقية MARPOL، لضمان تقديم خدمات بناء وإصلاح وصيانة السفن وفق أعلى المعايير الدولية.
اقتصاديًا، يقلل المشروع الاعتماد على الأحواض الأجنبية ويخفض نزف العملة الصعبة، ويرفع كفاءة الأسطول الوطني عبر تقليل تكاليف الصيانة وفترات التوقف. كما يتيح جذب السفن الإقليمية إلى مرفأ طرطوس، ما يعزز مكانته كمركز صناعي بحري إقليمي منافس. ويدعم المشروع توطين الصناعات المكملة، بما يشمل تصنيع المكونات البحرية والخدمات اللوجستية المرتبطة، ما يخلق شبكة إنتاجية محلية متكاملة على امتداد الساحل السوري.
ويشكل تسجيل السفن السورية ورفع العلم الوطني جزءًا أساسيًا من تعزيز الاقتصاد الأزرق، إذ يتيح توطين ملكية السفن وصيانتها تحت الإشراف الوطني، ويعزز سيادة الدولة على الأسطول الوطني. وتشمل الإجراءات فحص الهياكل والأنظمة الفنية للتأكد من مطابقتها للمعايير البحرية الوطنية والدولية، وإصدار شهادات التسجيل والملكية. ويسهم هذا التنظيم في ربط الصناعات البحرية المحلية بخدمات البناء والصيانة، ويحفز تطوير البنية التحتية للمرافئ والأحواض الصناعية، بما يدعم النمو الاقتصادي ويوسع فرص العمل والكفاءات الوطنية في القطاع البحري.
وفي إطار التخطيط الصناعي الساحلي المتكامل، يرتبط الحوض برؤية أوسع تشمل إنشاء مناطق صناعية متخصصة بالصناعات البحرية والصناعات المكملة في محيط بانياس (عرب الملك)، ما يضمن توزيع الأنشطة بكفاءة، تخفيف الضغط المكاني والبيئي عن مرفأ طرطوس، وربط الحوض بسلسلة إنتاج بحرية مستدامة، بما يعزز الجدوى الاقتصادية والبيئية للمشروع.
بيئيًا، يشدد المشروع على حماية البيئة البحرية والساحلية من خلال تطبيق معايير MARPOL ونظم الإدارة البيئية ISO 14001، وإنشاء منظومات لمعالجة المياه الصناعية، وإدارة النفايات الخطرة، واحتواء الانسكابات النفطية، والتحكم بالانبعاثات والضوضاء، بما يضمن استدامة التشغيل وجاذبية المشروع على المستثمرين الدوليين.
اجتماعيًا، يسهم الحوض في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتطوير رأس المال البشري الوطني من خلال التدريب المهني ونقل الخبرة التقنية والتوسع في مجال التخصصات البحرية الأكاديمية، ما يعزز الاستقرار الوظيفي والاجتماعي، ويحد من هجرة الكفاءات.
في المحصلة، يمثل حوض سفن طرطوس خطوة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد الأزرق السوري، وإعادة بناء القطاع البحري على أسس إنتاجية حديثة ومستدامة. وسيقاس نجاح المشروع بمدى الالتزام بالمعايير الدولية، وقدرته على الاندماج ضمن رؤية ساحلية صناعية متكاملة تشمل تطوير مناطق صناعية في بانياس، وبما يحقق قيمة مضافة وطنية مستدامة ويعزز مكانة سوريا على خريطة الصناعات البحرية في شرق المتوسط.

(موقع:أخبار سوريا الوطن2)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
