آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » العدالة الثقافية.. قاعدة للتماسك المجتمعي وبناء الهوية الوطنية الجامعة

العدالة الثقافية.. قاعدة للتماسك المجتمعي وبناء الهوية الوطنية الجامعة

بتول الحكيم

تُعدّ «العدالة الثقافية» مدخلاً أساسياً لتعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ الهوية الوطنية، من خلال ضمان حق جميع أفراد المجتمع في الوصول إلى المعرفة والمشاركة في الحياة الثقافية دون تمييز، وفي ظل الجهود الهادفة لدعم التعافي المجتمعي وإعادة تنشيط المؤسسات الثقافية، تبرز أهمية دور المكتبات الوطنية في حفظ الذاكرة الجمعية وصون التراث وإنتاج سرديات ثقافية جامعة تسهم في بناء وعي وطني مستدام، وتصب في مرمى تحقيق العدالة الانتقالية.

مدير المكتبة الوطنية «سعيد حجازي» يقول لصحيفة «الثورة السورية» إن مصطلح «العدالة الثقافية» يمكن تفسيره من ثلاثة اتجاهات:

أولاً: إتاحة الفرص المتساوية لجميع المناطق السورية، من محافظات وقرى وبلدات وأحياء ونواحٍ، للوصول إلى المنتجات الثقافية وتقديم الخدمات الثقافية، بما يضمن وصولها الشامل والكامل والسهل، موضحاً أن من حق كل مواطن سوري، مهما كانت المنطقة التي يتواجد فيها بعيدة أو نائية، ومهما كان وضعه الاجتماعي والمادي، الوصول إلى كافة المنتجات الثقافية، سواء عن طريق الوصول الفيزيائي المباشر أو الرقمي المتاح.

ثانياً: إتاحة الفرصة لأي مواطن سوري للمشاركة في هذا الإنتاج، بغض النظر عن توجهه أو انتمائه، فمن حقه المشاركة في صناعة الثقافة وتشكيل الهوية الثقافية لسوريا، لافتاً إلى أهمية مدّ يد الحوار والتفاهم بين السوريين وتقبّل الاختلاف، وإلغاء الحدود المصطنعة بين مكوّنات الشعب السوري التي عمل النظام المخلوع على تكريسها لتحقيق ذلك.

ثالثاً: وصل السوريين بما يستجد على الساحة الثقافية والفكرية والعلمية والأكاديمية في مختلف أنحاء العالم، كجزء من مواكبة آخر التطورات الثقافية، وإتاحة منتجاتها عن طريق بناء شراكات حقيقية مع مكتبات جامعات ومكتبات وطنية ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية في الخارج.

المكتبة الوطنية وحفظ الذاكرة السورية

ويضيف «حجازي» أن المكتبات بشكل عام لم تعد تلعب دوراً معرفياً فقط، بل أصبح لها دور مجتمعي كبير، حيث باتت تدخل إلى كل بيت، سواء من خلال المنصات الرقمية التي تقدّم خدماتها عبرها، أو عبر الفعاليات والأنشطة التي تقوم بها، أو من خلال تسهيل عمليات الإعارة ليتمكن الجميع من الاستفادة من مقتنياتها، كما تساهم في بناء الحالة المعرفية والثقافية في المجتمع، وتطوير برامج الذكاء الاصطناعي من خلال تقديم المراجع والمصادر، فهي ليست مستودعات كتب فحسب.

ويؤكد أن المكتبات عامة، والمكتبة الوطنية خاصة، اليوم في سوريا، تحمل على عاتقها مسؤولية حفظ الذاكرة السورية بعد سنوات من التدمير الممنهج والإجرام الذي قام به النظام المخلوع خلال فترة حكمه، فمهمتها حفظ التراث السوري الذي يحوي الكثير من الوثائق والمخطوطات المهمة والقيمة، وجمع الإنتاج الفكري السوري من كتب وأطروحات قام بها السوريون أو غيرهم في الداخل والخارج، بالإضافة إلى مهمة حفظ الجانب السياسي المتمثل في السردية الوطنية لسوريا، إذ تم طمس المعالم الثقافية والسياسية السورية خلال حكم البعث، ما يجعل من حفظها وتوثيقها ضرورة ملحّة، وذلك من خلال المنتجات المسموعة والمرئية والمكتوبة.

وانطلاقاً من هذه النقطة أعلنت المكتبة الوطنية عن افتتاح قاعة «الحكاية السورية» بهدف جمع وأرشفة كل ما يتعلق بالدولة السورية منذ تأسيسها، مروراً باستيلاء البعث على الحكم وفترة الأسدين الأب والابن، وصولاً إلى قيام الثورة السورية وانتهاءً بانتصارها على الطغيان، وما أعقب ذلك من رؤى استراتيجية ووطنية، حيث يُعمل على توثيق المواد وجمعها واستكمالها، ليصار لاحقاً إلى إتاحتها للقراء والباحثين دون قيد أو شرط.

حفظ التراث وبناء الهوية الجامعة

ويوضح «حجازي» أهمية حفظ التراث كمنطلق لبناء سوريا المستقبل، إذ إن التراث بما يحويه من وثائق وآثار ومخطوطات هو المستند الحقيقي لصناعة الهوية الثقافية السورية، ومن ثم بناء الهوية الوطنية الجامعة، ما يجعل من الاطلاع على هذا التراث وحفظه ضرورة ملحّة، وهذه ليست دعوة للتغنّي بالماضي، بل دعوة للتعرّف على الإرث الحضاري السوري الموروث، إذ كانت سوريا عبر الحضارات التي تعاقبت عليها تلعب دوراً ريادياً يؤهلها لتكون في مصاف الدول الأولى عالمياً، لافتاً إلى أن أول مكتبة مكتشفة حول العالم هي مكتبة «إيبلا» ولها فهرس، كما أن سوريا مهد الأبجدية الأولى، فحفظ هذا التراث والاطلاع عليه هو الخطوة الأولى للتعرّف إلى نقاط القوة والضعف وتصحيح المسار لبناء سوريا المستقبل، وحماية التراث من أهم مبادئ العدالة الثقافية.

في سياق متصل، يقول مدير مديرية إعلام دمشق، الكاتب والسيناريست «إبراهيم كوكي» لـ«الثورة السورية»، إن «الثقافة» يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مسار تحقيق العدالة الانتقالية، فالثقافة من شأنها أن تساهم في منع تكرار الانتهاكات من خلال رفع سوية الوعي لدى الأفراد بحقوقهم وواجباتهم ووطنيتهم، وتوعيتهم بدورهم تجاه الدولة وحيال القانون، فالثقافة التي تقوم بتعريف المواطن بالعلاقة السوية بينه وبين القانون تدفع الناس للمطالبة بحقوقهم ومنع إعادة منظومات الفساد والاستبداد وهيمنة الموظف على المواطن، ما يؤدي بالضرورة إلى منع تكرار الانتهاكات، فالعدالة الثقافية تشكّل عاملاً وقائياً من تكرار دائرة العنف والفساد في المجتمعات، كما أنها تلعب دوراً مهماً في صياغة مفهوم المواطنة وحقوق الانتماء.

ويؤكد «كوكي» أن الهوية الثقافية تعتمد في صناعتها على بنية المجتمع، ولكل فئة هوية ثقافية ذات خصوصية وأصالة، تندرج جميعها تحت الهوية الوطنية الجامعة، لافتاً إلى أن المجتمع السوري يتألف من مجموعة ثقافات، وهنا تكمن الحاجة إلى التعرّف على ثقافاتنا وتقبّلها واستخدامها لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، فلا بد من الحفاظ على خصوصية المجموعات البدوية والقروية والقبلية والحضرية والمدنية، وبناء هوية جامعة من خلال تنوّع هذه الثقافات، فالعدالة الثقافية تقوم على الاعتراف بالهويات واحترام التنوع الثقافي.

وحول مسؤولية المؤسسات الثقافية لدعم هذا المسار، يوضح «كوكي» أن وظيفتها تتمثل في تعزيز الانتماء لدى المواطنين لثقافتهم، وإبراز ما في المجتمع من ثقافات وعدم تجاوز ثقافات المجتمعات المحلية، من خلال التوجّه إلى المجتمعات والتواصل معها ومساعدتها على إبراز هوياتها الثقافية ووجهها الحضاري لتقوم بدورها، مؤكداً أنه حين يدرك المجتمع التنوع الثقافي والفكري والمجتمعي داخل الجغرافية السورية، يصبح على يقين بأهمية هذا التنوع، فلا بد من الاعتراف بالثقافات وضمان ألا تطغى ثقافة على أخرى، إذ من شأن ذلك الحد من الانقسامات والتقليل من شأن الآخر والتنافر بين أبناء المجتمعات المختلفة، فالاختلاف الثقافي هو مصدر قوة ودعم لبناء سوريا المستقبل.

وهكذا تبرز العدالة الثقافية كأداة لدعم الحوار المجتمعي وتوسيع المشاركة، وتحويل الثقافة إلى عنصر فاعل في مسار بناء سوريا المستقبل ودعم استقرارها البنيوي المجتمعي.

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رمضان 2026: أبرز الثنائيات الفنية تضيء قصص الحب على الشاشة

مع اقتراب موسم رمضان 2026، تزداد المنافسة بين أبرز الثنائيات الفنية في العالم العربي، حيث تتسابق القنوات والمنصات الرقمية على تقديم أعمال درامية تجمع بين ...