آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب الأسبوع » الذكاء الاصطناعي بين الشرح والمسؤولية: قراءة في كتاب “الذكاء الاصطناعي ببساطة”

الذكاء الاصطناعي بين الشرح والمسؤولية: قراءة في كتاب “الذكاء الاصطناعي ببساطة”

 

راغب ملّي

 

يأتي كتاب “الذكاء الاصطناعي ببساطة” لهيلدا معلوف ملكي بوصفه عملاً معرفياً تمهيدياً–تأسيسياً، يسعى إلى تقديم الذكاء الاصطناعي للقارئ العربي ضمن سياقه الواقعي، الثقافي، والاجتماعي، لا بوصفه مجالاً تقنياً معقّداً أو أدوات حصرية مخصّصة لأهل الاختصاص، بل كتحوّل عالمي يطال تفاصيل الحياة اليومية، في العالم العربي كما في غيره. يعتمد الكتاب أسلوباً تدريجياً واضحاً، ولا يقوم على تقسيم بنيوي صارم قائم على محاور مغلقة، بل يتألف من فصول مترابطة تتدرج في طرحها من المفاهيم الأساسية إلى القضايا التطبيقية والأخلاقية، جامعاً بين الشرح العلمي المبسّط، والأمثلة المأخوذة من الواقع العربي، والنقاش النقدي الواعي.

 

 

 

ومن أجل تقديم قراءة تحليلية أكثر تنظيماً، يمكن تصنيف محتوى الكتاب تحليلياً لا بنيوياً ضمن مجموعة محاور كبرى تعبّر عن مساره الفكري وتنوّع موضوعاته.

 

 

 

أولًا: إعادة تأطير مفهوم الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية

 

 

يفتتح الكتاب بتفكيك الصورة النمطية الشائعة عن الذكاء الاصطناعي بوصفه حكراً على الروبوتات أو الخيال العلمي. وتؤكد المؤلِّفة أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضراً في تفاصيل حياتنا اليومية: في الهواتف الذكية، تطبيقات الملاحة، أنظمة التوصية، أدوات الكتابة والترجمة، ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

 

 

لا يكتفي هذا المدخل بالتعريف، بل يطرح سؤالاً معرفياً محورياً حول سبب تحوّل فهم الذكاء الاصطناعي إلى ضرورة في زمن التحوّل الرقمي، وتربط الكاتبة هذا السؤال بواقع الفرد العربي الذي يتفاعل يومياً مع هذه التقنيات، في ظل تفاوت مستويات الوعي بآلياتها وآثارها.

 

 

 

ثانياً: البنية التقنية بلغة مبسّطة ومنهجية

 

 

يشرح الكتاب كيف يعمل الذكاء الاصطناعي من دون الوقوع في التعقيد التقني. تُقدَّم مفاهيم مثل الخوارزميات، البيانات، النماذج، والتدريب من خلال تشبيهات قريبة من التجربة الإنسانية، مثل التعلّم بالتجربة والخطأ أو التعليم التدريجي.

 

ويولي الكتاب اهتماماً خاصاً بالفروق بين الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والتعلم العميق، موضحاً العلاقة التراتبية بينها. هذا الشرح لا يخدم القارئ غير المتخصّص فحسب، بل يقدّم أيضاً للقارئ المتخصّص إطاراً لغوياً مبسّطاً يمكّنه من شرح هذه المفاهيم للطلاب أو الجمهور العام.

 

 

 

 

 

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي في العالم العربي ولبنان

 

 

تنتقل المؤلِّفة من الطرح العام إلى أمثلة عربية ملموسة، لتؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حكراً على الدول المتقدمة تقنياً، بل أصبح حاضراً في المنطقة العربية بطرق متنوّعة. تشير إلى وجود طاقات بشرية عربية قادرة على العمل في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، رغم التحديات الاقتصادية والبنيوية التي تواجهها بعض الدول.

 

تُبرز الكاتبة لبنان كنموذج يعكس هذا الواقع، متحدثة عن الكفاءات الشابة والمبادرات الفردية والمؤسساتية التي استطاعت أن تثبت حضورها في المجال التقني، رغم الظروف الصعبة. لا تُقدَّم هذه التجربة بوصفها نموذجاً مثالياً، بل كمثال واقعي على إمكانية الابتكار خارج البيئات المستقرة.

 

 

 

وفي السياق نفسه، تتناول المؤلِّفة نماذج من دول عربية أخرى، ولا سيما المملكة العربية السعودية، حيث تشير إلى المشاريع والاستثمارات المرتبطة بالتحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن رؤى وطنية واضحة. ويُظهر هذا التنوّع في الأمثلة اختلاف مقاربات الدول العربية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بين مبادرات فردية وطاقات بشرية من جهة، واستراتيجيات ومشاريع مؤسسية من جهة أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من خلال هذا العرض، تسعى المؤلِّفة إلى ترسيخ فكرة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي مجال مفتوح أمام العالم العربي، يمكن فهمه ومواكبته والاستفادة منه بطرق مختلفة، شرط الاستثمار في المعرفة وبناء الوعي وعدم الاكتفاء بدور المستهلك. ويخدم هذا الطرح هدف الكتاب التربوي، إذ يضع القارئ العربي في موقع الفاعل الممكن، لا في موقع المتلقي السلبي أو العاجز.

 

 

 

رابعًا: الذكاء الاصطناعي والعمل والتعليم والمستقبل المهني

 

 

يعالج الكتاب تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل والتعليم بنبرة متوازنة. فهو لا يتبنّى خطاب التخويف من “سرقة الوظائف”، ولا يستخف في الوقت نفسه بحجم التغيير القادم. تؤكد المؤلِّفة أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر طبيعة العديد من الوظائف، ويخلق فرصاً جديدة تتطلب مهارات مختلفة، مثل التفكير النقدي، الإبداع، والإشراف البشري.

 

 

 

وفي التعليم، تشير إلى أهمية إدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي تدريجاً، لا بهدف تحويل الجميع إلى مبرمجين، بل لتمكين الأفراد من فهم الأدوات التي يستخدمونها والتعامل معها بوعي.

 

 

 

خامساً: الذكاء الاصطناعي والتربية – كيف نشرحه لأولادنا؟

 

 

من المحاور اللافتة في الكتاب تناوله لمسألة الأطفال والتربية الرقمية. تتوجّه المؤلِّفة إلى الأهل مباشرة، مؤكدة أن تجاهل الذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال لم يعد خياراً، وأن المسؤولية التربوية تفرض شرح هذه التقنيات بلغة مبسّطة تناسب أعمارهم.

 

 

 

تدعو الكاتبة إلى بناء وعي مبكر لدى الأطفال حول كيفية عمل الأدوات الذكية، حدودها، ومخاطر الاعتماد المفرط عليها، بدل تركهم في موقع المستخدم السلبي. هذا المحور يضفي بعداً إنسانياً وتربوياً واضحاً على الكتاب، ويجعله موجّهاً للأسرة كما للفرد.

 

 

 

سادساً: القضايا الأخلاقية وحدود الذكاء الاصطناعي

 

 

يولي الكتاب اهتماماً خاصاً للأبعاد الأخلاقية، مثل التحيّز في البيانات، الخصوصية، والهلوسة في النماذج اللغوية. تؤكد المؤلِّفة أن الذكاء الاصطناعي لا يفكّر ولا يفهم كما يفعل الإنسان، بل يعالج أنماطاً إحصائية قد تؤدي أحياناً إلى نتائج مضلّلة.

 

ويشكّل هذا الطرح النقدي عنصراً أساسياً في الكتاب، إذ لا يقدّم الذكاء الاصطناعي كحلّ سحري، بل كأداة قوية تتطلب استخداماً واعياً ومسؤولاً، خاصة في مجتمعات متنوّعة ثقافياً مثل المجتمعات العربية.

 

 

منهجية الكتاب وقيمته

 

 

يعتمد “الذكاء الاصطناعي ببساطة” منهجية تعليمية قائمة على التدرّج، والربط بين النظرية والتطبيق، وبين العالمي والمحلي. وهو ينجح في مخاطبة القارئ غير المتخصص دون تسطيح، وفي الوقت نفسه يقدّم مادة ثرية للقارئ المتخصص من حيث الإطار المفاهيمي والتحليل النقدي.

 

 

 

لا يمكن اختزال الكتاب في عدد محدود من المحاور الرسمية، لكنه يقدّم رؤية شاملة ومتوازنة للذكاء الاصطناعي من منظور عربي معاصر. قوته الحقيقية تكمن في الجمع بين التبسيط العلمي، الحسّ التربوي، والوعي الأخلاقي، وفي طرح سؤال جوهري: كيف نكون شركاء واعين في هذا التحوّل الرقمي، لا مجرّد مستخدمين له؟

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كتاب”يوميات سجين”للرئيس الفرنسي السابق ساركوزي

        يُفترض بأدب السجون أن يكون وثيقةً إنسانية تعرّي توحش السلطة والسحق الممنهج لكرامة الفرد خلف الجدران الباردة. لكن، نيكولا ساركوزي، مهندس ...