آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » الهند في عيد جمهوريتها الـ77: وحدة في التنوع وطموح إلى موقع قيادي في عالم متعدد الأقطاب

الهند في عيد جمهوريتها الـ77: وحدة في التنوع وطموح إلى موقع قيادي في عالم متعدد الأقطاب

الدكتور وائّل عوّاد

احتفلت الهند اليوم، السادس والعشرين من يناير، بعيد جمهوريتها السابع والسبعين، إحياءً لذكرى إقرار دستورها عام 1950. ولا يُعد هذا اليوم مجرد مناسبة دستورية، بل محطة وطنية للتأمل في مسيرة دولة استطاعت، خلال أقل من ثمانية عقود، أن تتحول من بلد خرج لتوه من حقبة الاستعمار إلى واحدة من أبرز القوى الصاعدة في النظام الدولي.

منذ إقرار دستورها، أرست الهند أسس دولة ديمقراطية تعددية، ونجحت في الحفاظ على وحدتها الوطنية رغم تنوعها اللغوي والديني والثقافي الهائل. هذا التنوع لم يكن عبئًا على الدولة، بل مصدر قوة وتميّز. لم تحاول الهند صهر هذا التنوع قسرًا في نموذج ثقافي واحد، بل اعترفت به دستوريًا وإداريًا ولغويًا. فالاعتراف بالتنوع لا يُضعف الدولة، بل يمنحها شرعية أعمق وقدرة أكبر على الاستمرار. والهند، وإن لم تنكر وجود خلافات دينية أو إثنية أو سياسية، فإنها تديرها عبر المؤسسات: البرلمان، القضاء، الإعلام، والانتخابات، حيث يُنظر إلى الخلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية، لا مبررًا لتفكيك الدولة.

قوة الهند في تنوعها

تحتفل الهند سنويًا بعيد الجمهورية وفق تقاليد راسخة، يُعرض خلالها جانب من قدراتها العسكرية وما حققته من تطور وإنجازات، إلى جانب استعراضات فلكلورية تمثل كل ولاية هندية، وتعكس عمق التراث الهندي الغني. وإذا كان يوم الاستقلال يمثل لحظة الانطلاق، فإن يوم الجمهورية شكّل الأساس الدستوري لهذه الرحلة.

وفي هذه الأوقات العالمية المضطربة والمنقسمة، يظل العلم الهندي ثلاثي الألوان رمزًا قويًا للوحدة. فهو ليس مجرد قطعة قماش، بل يحمل في طياته تاريخًا من التضحيات والأمل، وكل رفعٍ له يروي قصة وطن يستحق أن يُحتفى به. وقد تميّزت احتفالات هذا العام باستعراض قدرات الهند العسكرية، من بينها أنظمة الأسلحة «براهموس» و«أكاش»، ونظام قاذفات الصواريخ بعيدة المدى «سورياسترا»، ودبابة القتال الرئيسية «أرجون»، وغيرها من النماذج التي استخدم بعضها في المناوشات الأخيرة مع باكستان ضمن “عملية سِندور”.

لغات مختلفة، تقاليد لا تُحصى، “علم ثلاثي الألوان واحد”؛ عبارة تختصر روح الهند الحديثة. فالهند، التي يقترب عدد سكانها من مليار ونصف المليار نسمة، تضم 28 ولاية  وثمان أراض اتحادية ،وأكثر من 22 لغة معترفًا بها رسميًا، إلى جانب ما يزيد على 19 ألف لهجة محلية. وتمتد ثقافاتها من جبال الهيمالايا شمالًا إلى سواحل المحيط الهندي جنوبًا، ومن البنغال شرقًا إلى صحراء راجستان غربًا.

إنجازات على مدى العقود

اقتصاديًا، حققت الهند قفزات نوعية جعلتها رابع أكبر اقتصاد في العالم متجاوزة اليابان، وواحدة من أسرع الاقتصادات نموًا. وقد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي حاجز الأربعة تريليونات دولار أمريكي، مع توقعات بأن تحتل الهند المرتبة الثالثة عالميًا، متقدمة على ألمانيا، خلال العامين المقبلين. وأسهمت برامج مثل «صُنع في الهند» و«الهند الرقمية» في تعزيز التصنيع والابتكار والتحول الرقمي، بينما رسّخت الهند مكانتها مركزًا عالميًا لتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الدوائية، والفضاء، والطاقة المتجددة.

وتدعم هذه القفزة الاقتصادية مؤشرات إيجابية، من بينها تراجع معدلات التضخم والبطالة، وقوة التدفقات الائتمانية، وهو ما يعزز الرؤية الاستراتيجية للهند في الوصول إلى مصاف الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع بحلول عام 2047، استنادًا إلى إصلاحات هيكلية، ومرونة اقتصادية، وتقدم اجتماعي متدرج.

سياسيًا، حافظت الهند على تقاليد ديمقراطية راسخة، وانتقال سلمي للسلطة، ومؤسسات دستورية فاعلة، ما منحها مصداقية دولية متزايدة، في وقت تتراجع فيه القيم الديمقراطية في كثير من مناطق العالم.

الهند وعالم متعدد الأقطاب

في سياستها الخارجية، تنتهج الهند مقاربة واقعية تقوم على مبدأ الاستقلال الاستراتيجي. فهي تعزز شراكاتها مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والعالم العربي، وأفريقيا، دون الارتهان لمحور واحد. وخلال السنوات الأخيرة، أبرمت نيودلهي اتفاقيات استراتيجية وتجارية مع العديد من الدول والتكتلات، سعيًا إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز حضورها في سلاسل القيمة العالمية.

وترى الهند أن عالمًا متعدد الأقطاب سيكون أكثر توازنًا وعدالة، وأن لها دورًا محوريًا في تمثيل صوت الجنوب العالمي، والدفاع عن نظام دولي أكثر شمولًا وإنصافًا.

نحو المستقبل

حلّ ضيفَي شرف احتفالات عيد الجمهورية لهذا العام رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، تحت شعار عام 2026: «شعار الحرية: فاندي ماتارام»، و«شعار الازدهار: الهند المكتفية ذاتيًا». وجاء ذلك عشية القمة الثنائية بين الجانبين، حيث يُنتظر التوقيع على اتفاقية التبادل التجاري الحر بين الهند والاتحاد الأوروبي، التي وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية بأنها «أمّ الصفقات»، بعد ما يقارب عقدين من المفاوضات، لما تحمله من آفاق لتعزيز التعاون التجاري والسياسي، خاصة في ظل التوجهات الحمائية وفرض التعريفات الجمركية من قبل إدارة ترامب على الطرفين.

ما يمكن لنا كعرب أن نتعلمه من التجربة الهندية ليس نموذجًا يُستنسخ، بل منهجًا في التفكير: فالوحدة لا تعني التشابه، والدولة القوية لا تخشى التعدد، والهوية الوطنية الجامعة هي التي تحمي الجميع، لا تلك التي تُبنى على الإقصاء أو الإنكار.

تُثبت الهند أن «الوحدة في التنوع» ليست شعارًا شاعريًا، بل مشروعًا سياسيًا وثقافيًا طويل النفس. وهو درس بالغ الأهمية لعالم عربي يبحث اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عن صيغة توازن بين الهوية الوطنية والتعدد المجتمعي، وبين الدولة القوية والمجتمع المتنوع.

في عيد جمهوريتها السابع والسبعين، تقف الهند بثقة أمام تحديات المستقبل، مستندة إلى إرث حضاري عريق، ودولة حديثة، واقتصاد صاعد، وشعب يؤمن بأن قوته تكمن في تنوعه ووحدته في آن واحد. وتحت علم واحد، وبألوانه الثلاثة، تواصل الهند رحلتها نحو موقع مشرف في النظام الدولي، مؤكدة أن الوحدة في التنوع ليست مجرد شعار، بل تجربة حية أثبتت قدرتها على الصمود والازدهار.

كاتب صحفي مقيم في الهند -زميل مميز في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات ،_راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلس النواب العراقي يُحدد موعد انتخاب رئيس الجمهورية

  حدد رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي، يوم الثلاثاء المقبل موعداً لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.       وأشارت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، ...