سعيد محمد
برحيل مايكل بارينتي (1933-2026)، يفقد اليسار الماركسي نموذج «المثقف المشتبك» الذي واجه تطبيع الإمبراطورية وعرّى «يسار الناتو». قدّم مفاهيم «الاشتراكية المحاصرة» و«الفاشية العقلانية» ورأى الإعلام جهازاً طبقياً يصنع وعياً زائفاً. استُبعد أكاديمياً بسبب مواقفه، وكتب بلغة حادة مفهومة للعمّال
برحيل مايكل بارينتي (1933-2026)، عالم السياسة والمؤرخ الماركسي، وأبرز منظري المادية التاريخية في الغرب الأنغلو ساكسوني، نفقد التجسيد الأكمل والأكثر سطوعاً لمفهوم «المثقف المشتبك»؛ مثقف الطبقة العاملة الذي لا يكتفي بالاشتباك المعرفي، ويخوض صراعاً وجودياً ضد التطبيع مع الإمبراطورية، نقيضاً تاماً لدور المثقف المدجّن الذي يكسب عيشه من الانخراط في إنتاج سردية منظومة الهيمنة.
في مواجهة «حرّاس البوابة»
شكل بارينتي، طوال مسيرته، هاجس مثقفي اليسار الغربي الذين يؤدون، بوعي أو من دونه، وظيفة «حراس البوابة» لمصلحة الإمبراطورية ويهاجمون الرأسمالية لغوياً، لكنهم لا يشكلون أي خطر فعلي عليها.
في كتابه المرجعي «القمصان السود والحمر» (1997)، طرح مفهوم «الاشتراكية المحاصرة» ليواجه به المثاليات الطوباوية ليسار الإمبراطورية الذي يقيم التجارب الاشتراكية بناءً على معايير ليبرالية مجرّدة، متجاهلاً السياق المادي الحاكم: الحصار الاقتصادي، والغزو العسكري، والتخلف الموروث.
إنّ «النقاء الثوري» الذي يطالب به أمثال نعوم تشومسكي وسلافوي جيجيك هو ترف فكري لا يملكه من يواجهون الغزو الإمبريالي على أرض الواقع، ونعرف اليوم – بفضل بارينتي – أن نقدهم الموتور للدول الاشتراكية ليس سوى محض أداة لتعزيز الهيمنة الإمبريالية عبر نزع الشرعية عن نماذج قليلة حاولت بناء اقتصاد غير رأسمالي، ليتركوا الجماهير أمام خيار وحيد: الخضوع للسوق العالمية.
مُبتكر مفهوم «الفاشية العقلانية»
على مستوى التحليل التاريخي، قدم بارينتي قطيعة معرفية مع التفسيرات السيكولوجية والثقافوية للفاشية التي تهيمن على الخطاب الليبرالي. وبدلاً من اعتبار الفاشية انحرافاً سايكولوجياً أو نتاجاً لكاريزما القائد الشعبوي، صاغ نظرية «الفاشية العقلانية».
استُبعد من جنة الأكاديميا الأميركية بسبب مواقفه غير المهادنة
الفاشية عنده استجابة عقلانية تماماً من منظور تراكم رأس المال في زمن الأزمات. عندما تعجز الديموقراطية البرجوازية عن احتواء الصراع الطبقي، وتتهدّد معدلات الربح، تلجأ النخب الأوليغارشية المالية والصناعية إلى الفاشية كأداة وظيفية لتحقيق أهداف محددة: سحق التنظيمات العمالية، خفض الأجور قسرياً، وفتح الأسواق عبر التوسع العسكري.
الفاشية، بارينتياً، ليست نقيض الرأسمالية، بقدر ما هي آليتها الدفاعية القصوى. إنها الرأسمالية وقد نزعت قناعها الديموقراطي. وهذا تحليل متقدم يعيد الاعتبار للطبيعة الطبقية للصراع، وينسف محاولات اليسار الليبرالي تصوير الفاشية كعدو مشترك بمعزل عن جذورها الاقتصادية.
الإعلام منخرط في الحرب الطبقية
في كتابه «اختراع الواقع» (1986)، قدم تحليلاً يتجاوز نموذج «تصنيع الموافقة» لتشومسكي. بينما يرى الأخير الإعلام كمؤسسة تعمل عبر «فلاتر» انحيازية، يتبنى بارينتي مقاربة لينينية ترى الإعلام كجهاز أيديولوجي للدولة منخرط بوعي في الحرب الطبقية، لا يقوم بتشويه الحقيقة فقط، بل يعمل أيضاً بشكل ممنهج على خلق وعي زائف يمنع تشكّل وعي طبقي لدى الطبقة العاملة.
وسخر بمرارة من فكرة «الموضوعية» في ظل الملكية الاحتكارية لوسائل الإعلام معتبراً إياها استحالة بنيوية. فوظيفة الإعلام ليست الإخبار، بل التأطير الثقافي الذي يجعل مصالح الشركات عابرة القوميات كأنّها «المصلحة الوطنية العليا»، ويصوّر أي تحدٍ لهذه المصالح (سواء كان إضراباً عمالياً أو دولة مناهضة للهيمنة) كخطر على «الحضارة» و«استقرار النظام».
لم يخشَ الدفاع عن يوغوسلافيا حين تكالبت عليها قوى «الناتو»، وصفّق اليسار الغربي لقصف بلغراد بدعوى حقوق الإنسان، وتداعى الإسلاميون على تلاوينهم لإنقاذ إخوانهم المسلمين. وقف حينها وحيداً ليفضح الأكاذيب حول «إبادة جماعية» مزعومة، مؤكداً بالبيانات على أنّ الهدف الأساس لحملة «الناتو» كان تدمير آخر دولة ذات قطاع عام قوي في أوروبا وفتح أسواقها للنهب الرأسمالي.
دليلك لفهم العالم
ترك أكثر من 20 كتاباً، وتُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات. كتابه «ديموقراطية للقلّة» (Democracy for the Few) وصل إلى طبعته التاسعة، وظل يفضح كيف أنّ الدستور الأميركي والنظام السياسي صُمِّما أصلاً لحماية الملكية الخاصة لا لتعزيز الديموقراطية.
لكنه طوال مسيرته، لم ينسَ يوماً جذوره المتواضعة في إيست هارلم، في نيويورك. تحدّث في إحدى محاضراته كيف بكى والده، العامل البسيط، عندما قدم له نسخة من كتابه الأكاديمي الأول وفيها إهداء له. بكى الأب لأنه لم يستطع قراءة وفهم ما كتبه ابنه. ومنذ تلك اللحظة، قرر أن يكتب بلغة واضحة، حادة، وساخرة يفهمها العمّال والطلاب والمناضلون.
نبكي بارينتي بحرقة اليوم لأنه لم يخن. في كل مراحل حياته المهنية، كان حرباً لا هوادة ضد التنطع الليبرالي واليسار المزيف معاً، لكنّ تطابق سلوكه مع معرفته تسبّب في استبعاده من جنة الأكاديميا الأميركية في اغتيال وظيفي ممنهج رغم حصوله على الدكتوراه من جامعة «ييل» المرموقة، وشعبيته الفائقة بين الطلاب.
في عام 1971، صوّت قسم العلوم السياسية في جامعة «فيرمونت» بالإجماع لتجديد عقده أستاذاً، لكن مجلس الأمناء والمشرعين المحافظين تدخّلوا لطرده بسبب مواقفه السياسية التي لا تهادن. وبقي، بعدها، كما فارس دونكوشيتي نبيل، يعيش على الكفاف، معتمداً على دخل متواضع من كتاباته ومحاضراته الجوالة.
إرثه النظري في مجموعه كنز ثمين من الأدوات التحليلية لفهم العالم. عالم لن يمكننا تغييره بالنقد اللغوي أو الفلسفي المجرد، بل بالنضال الطبقي الواعي الذي يدرك، كما أدرك بارينتي دائماً، أنّ القبض على الحقيقة بداية كل عمل ثوري.
إسرائيل والإمبريالية في فكره
يبدأ تحليل بارينتي للموقع الجيوسياسي لإسرائيل بفك الاشتباك الظاهري بين سطوة «اللوبي الصهيوني» وبين المصالح الإمبريالية الأميركية.
بينما يقرّ بارينتي بالنفوذ الهائل لجماعات الضغط وتمويلها السخي للنخب السياسية في واشنطن، إلا أنه يرى أن هذا النفوذ لا يعمل في فراغ، بل يزدهر لأنه يخدم المصالح العليا للولايات المتحدة. من هذا المنظور، ليست إسرائيل مجرد دولة صديقة، بل هي «دولة وظيفية» وتوأم استراتيجي يعمل كـ «ثكنة عسكرية متقدمة» لحماية الهيمنة الغربية على موارد الشرق الأوسط.
وعليه، فإنّ المساعدات المليارية التي تتدفق لتل أبيب ليست «جزية» تدفعها القوة العظمى للوبي، بل هي استثمار عقلاني في وكيل إقليمي بامتيازات خاصة يقمع القومية العربية والحركات الثورية نيابة عن الإمبراطورية، ما يخلق علاقة تكافلية تقودها في النهاية مصالح رأس المال العالمي والبنتاغون.
وانطلاقاً من هذا الدور الوظيفي، يوجه بارينتي نقداً جذرياً للصهيونية بوصفها مشروعاً «استعمارياً استيطانياً» يستلزم بالضرورة إلغاء الوجود الفلسطيني وتهجيره لإحلال مستوطنين جدد.
ويركّز على «التفاوت في العنف» والتلاعب المصطلحي الذي يغلف الصراع، حيث يُدان رد فعل الضحية ــ المقاومة الفلسطينية ــ ويوصم بـ «الإرهاب»، بينما يُشرعن عنف الدولة الإسرائيلية الممنهج ـــ بما فيه من قصف وتدمير باستخدام أحدث الترسانات الأميركية ـــ ويتم تبييضه تحت مسميات «الدفاع عن النفس» أو «الردع».
ويرى في ممارسات الاحتلال اليومية، من التوسع الاستيطاني غير القانوني إلى سياسات العقاب الجماعي وتقطيع أوصال الضفة الغربية، تجسيداً لنظام فصل عنصري (أبارتهايد) متكامل الأركان، يهدف إلى خنق السكان الأصليين للأرض وجعل حياتهم مستحيلة لخدمة التفوّق الديموغرافي والعسكري للمستعمر.
وفي مواجهة الانتقادات لهذه الممارسات، يتصدى بارينتي للسلاح الأيديولوجي الأكثر استخداماً لإسكات المعارضة، وهو الخلط المتعمد بين «معاداة الصهيونية» (كموقف سياسي ضد الاستعمار) و«معاداة السامية» (ككراهية عرقية/دينية)، فيرفض هذا الربط بشكل قاطع، معتبراً إياه تكتيكاً للابتزاز السياسي صُمم خصيصاً لحماية إسرائيل من المحاسبة الحقوقية والأخلاقية.
ومن موقع تقدمي، يطرح رؤية بديلة للأمان اليهودي؛ فهو يجادل بأن أمن الشعب اليهودي الحقيقي ومستقبله لا يمكن أن يتحققا عبر الانعزال داخل دولة عسكرة قائمة على التفوّق العرقي والعداء المستمر مع محيطها، بل يكمنان في «التضامن الأممي» والتحالف مع الشعوب المضطهدة الأخرى ضد قوى الرجعية والإمبريالية التي دائماً ما استغلت مخاوف اليهود لخدمة أجندات الهيمنة العالمية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
