يوسف فارس
انتهت، عصر أمس، مسرحية عملية «القلب الشجاع» بإعلان العثور على جثمان الجندي الإسرائيلي ران غويلي، آخر جندي مُحتجز في قطاع غزة، وذلك في مقبرة البطش الواقعة في حي التفاح شرقي مدينة غزة. العملية التي استمرّت يومين، صوّرها جيش الاحتلال على نحوٍ ملحمي رغم افتقارها إلى أيّ بعد بطولي حقيقي؛ إذ إنها جرت ضمن المناطق «الصفراء» الخاضعة لسيطرته الأمنية الكاملة، وبناءً على معلومات كانت «سرايا القدس» قد زوّدت بها الوسطاء قبل نحو ثلاثة أسابيع، وتعمّد المستوى السياسي الإسرائيلي تجاهلها، في محاولة للإبقاء على الجثمان كورقة ابتزاز تَحول دون فتح معبر رفح والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
هكذا، أغرق الإعلام العبري المشهد بسيلٍ من المعلومات المُبالغ فيها عن ما وصفه بـ«الإنجاز»، زاعماً أن جيش الاحتلال نبش نحو 250 قبراً خلال يومين، وأجرى تحاليل وراثية لمئات الجثامين قبل أن يتعرّف إلى جثة غويلي. وأعقب ذلك بثّ مشاهد للجنود وهم يؤدّون التحية العسكرية والصلوات التلمودية بمشاركة رئيس أركان الجيش، إيال زامير، داخل القطاع، قبل أن تُنقل الجثة إلى الداخل المحتل.
وتعليقاً على ذلك، قال رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، متباهياً: «أعدنا جميع الأسرى، أحياءً وأمواتاً، كما وعدنا. المهمة اكتملت وهذا إنجاز غير مسبوق»، في حين أشار زامير إلى «أننا وفينا بوعدنا بعدم ترك أي إسرائيلي خلفنا. الجيش يعمل حالياً على نقل جثة ران غويلي إلى إسرائيل عقب عملية القلب الشجاع في شمال غزة». ولم يُخفِ نتنياهو نيّته الاستمرار في عرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، محاولاً حصرها في جزئية «نزع سلاح حماس»، قائلاً: «من مصلحة إسرائيل الانتقال إلى المرحلة الثانية لأنها مُخصّصة لنزع سلاح حماس، وليس لإعادة الإعمار». وبدوره، لم يفوّت الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الحدث، إذ وصف استعادة الجندي القتيل بأنها «عمل رائع»، معتبراً أن «فريقه حقّق الفوز».
لم تكن عملية «القلب الشجاع» سوى مسرحية جديدة
أمّا على المقلب الغزي، فقد عايش المواطنون وجهاً آخر من الألم، مع مشاهدة انتهاك حرمة قبور ذويهم من الموتى والشهداء، على مدار يومين كاملين. وفي هذا السياق، يقول أحمد صالح، وهو من سكان حي التفاح: «في مقبرة البطش دفنتُ أبي وأخي. كنت أعزّي نفسي بأن لهما قبراً أزورهما حينما يحنّ القلب وتشتاق الروح، لكن أن تُنبَش القبور وتُلقى جثامين أحبّائنا في العراء لتنهشها الكلاب، من دون أي احترام لحرمة الموت، فإن هذا جريمة بحقّ الإنسانية، وامتهان لكرامة الأموات وذويهم من الأحياء».
وسبق العثورَ على جثة الجندي الأخير، إعلانُ مكتب نتنياهو، مساء أول من أمس، قبول إسرائيل بما وصفه بأنه «فتح محدود لمعبر رفح لعبور الأشخاص فقط، مع آلية رقابة إسرائيلية كاملة». واعتُبر ذلك استجابة لضغوط أميركية مورست على الحكومة الإسرائيلية، علماً أن نتنياهو كان قد ربط فتح المعبر بإعادة جميع الرهائن، أحياءً وأمواتاً، وبذل «100% من الجهد» من قبل «حماس» للعثور عليهم.
إلا أنه رغم العثور على جثة الجندي الأسير الأخير، تسعى إسرائيل إلى تحويل خطوة فتح المعبر إلى وسيلة لفرض وقائع تخدم مشاريع التهجير. وبحسب مصادر مطّلعة تحدّثت إليها «الأخبار»، فإن حكومة الاحتلال مارست، خلال الأشهر الماضية، ضغوطاً متكرّرة لفتح المعبر في اتجاه واحد فقط، وهو الخروج من غزة، وهو ما ووجه برفض مصري قاطع. ومع هذا، تواصل تل أبيب مساعيها لفرض اشتراطات مُجحِفة تتصل بآلية التشغيل، أبرزها: «منع عودة الأطفال الذين وُلدوا خارج غزة خلال الحرب وما قبلها، وألّا يتجاوز عدد الداخلين إلى القطاع عدد الخارجين منه، إضافة إلى إخضاع العائدين لتفتيش عبر مسار خاص عقب عبورهم بوابة رفح، بما يمنح إسرائيل سيطرة أمنية غير مباشرة». وتشترط إسرائيل، أيضاً، نقل موقع المعبر إلى منطقة المثلّث الحدودي قرب «كرم أبو سالم»، في ما يُسمى «رفح 2»، ما يعني عملياً إخراج معبر رفح ومحور فيلادلفيا من الخدمة نهائياً، وتعزيز الهيمنة الإسرائيلية على الحدود الجنوبية للقطاع. ورغم أن هذه الاشتراطات لم تتحوّل بعد إلى «وقائع ملموسة»، فإن مجرّد طرحها يكشف تمسّك إسرائيل بمخططاتها الرامية إلى تشويه التركيبة الديمغرافية لغزة، وتحقيق هدف التهجير البطيء، وذلك تحت ظلال خطة ترامب لوقف الحرب.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
