هيا برماوي
لم تكن القراءة فعلًا عابرًا، ولا الكتابة ترفًا فكريًا.
لطالما كانت القراءة ملاذًا لي؛ أذهب إلى غرفتي لأغوص وأُبحر بين مئات الكتب. كانت الكتب والقراءة شكلًا من أشكال النجاة في عالمٍ يضجّ بالضجيج، وتظل صفحات الكتاب وجهتي وملاذي في كل يوم.
القراءة هي أول باب نطرقه نحو الفهم؛ فهم الذات قبل العالم، وفهم العالم قبل الحكم عليه. حين نقرأ، لا نستهلك كلماتٍ فحسب، بل نعيش حيواتٍ أخرى. في كل مرة أمسك بها كتابي، أشعر أنني قد ذهبت إلى عالمٍ آخر، وحياةٍ أخرى لا تشبه حياتي الواقعية. أذكر جيدًا أنني قد قرأت رواية وهج البنفسج للكاتب المُبدع أسامة المسلم، وهي تصف جيدًا ما أشعر به.
في كل مرة تفتح بطلة القصة الكتاب، يظهر وهجٌ بلون البنفسج، لتدخل البطلة في قلب الرواية وتعيش أحداث القصص بأكملها، تنتقل بين الحقول وعبر الزمن لتعيش أكثر من حياة. هذا تمامًا ما أشعر به عندما أفتح كتابًا؛ أشعر بوهج البنفسج، ثم أغوص في عالمٍ آخر، وحياةٍ مختلفة لا تشبه حياتنا أبدًا. أستطيع أن أرى الحقول والجبال والبحار، وأن أرى الثلوج تتساقط فوق منزلٍ ريفيٍّ جميل. أذكر ذلك اليوم الذي انتهيت فيه من قراءة رواية وهج البنفسج، وأذكر كم بكيت عندما أغلقت الكتاب، معلنةً نهاية أحلامٍ وردية قضيتها في تلك الرحلة الجميلة.
أما الكتابة، فهي الوجه الآخر للقراءة؛ هي الردّ العميق على ما اختزنته الروح. نكتب لنفرغ ما في قلوبنا، نكتب لأن الصمت يثقل صدورنا، ولأن بعض الأفكار لا تحتمل أن تبقى حبيسة الداخل. الكتابة ليست استعراضًا للغة، بل اعترافٌ مؤجّل، ومواجهةٌ ناعمة مع النفس. الكاتب الحقيقي لا يكتب ليُبهر، بل ليُخلّص نفسه من ثقل ما يشعر به، وليترك أثرًا يشبهه.
وحين تجتمع القراءة والكتابة، تتكوّن دائرة الوعي. القارئ الجيد يصبح كاتبًا أكثر صدقًا، والكاتب المخلص لا يتوقف عن القراءة. كلاهما يسهمان في بناء إنسانٍ أكثر رحمة، وأكثر قدرة على الإصغاء، وأكثر وعيًا بتعقيد الحياة وبساطتها في آنٍ واحد.
في زمن السرعة، حيث تُختصر الأفكار في عناوين، تبقى القراءة فعل مقاومة، وتظل الكتابة فعل بقاء. هما ليستا هوايتين، بل مسؤوليتين ثقافيتين، تحفظان الذاكرة، وتصونان اللغة، وتمنحان الإنسان فرصة أن يكون أعمق من يومه، وأبعد من لحظته.
القراءة تُنصت، والكتابة تتكلم… وبين الإصغاء والكلام، يولد المعنى.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
