سعيد محمد
شهدت العاصمة الهندية، نيودلهي، أمس، حدثاً مفصليّاً في مسار الاقتصاد العالمي، مع إعلان القيادتَين الهندية والأوروبية إبرام اتفاقية تجارة حرّة شاملة تاريخية بينهما. ويتوّج هذا الإعلان مساراً تفاوضيّاً استمرّ قرابة عقدَين من الزمن، وهو يأتي مدفوعاً بمتغيّرات جيوسياسية حادّة، وضغوط اقتصادية فرضتها سياسات الحماية التجارية المتصاعدة في الولايات المتحدة، وهيمنة الصين المستمرّة على سلاسل التوريد العالمية. ومن شأن الاتفاقية التي وصفها رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، خلال قمّة جمعته إلى رئيسة المفوّضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، بأنها «أمّ الصفقات التجارية» لبلاده، دمج سوقَين تضمّان معاً مليارَي نسمة، وتمثّلان ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يخلق كتلة قادرة على إعادة رسم خريطة التجارة الدولية.
وجاء توقيع الاتفاقية في وقت يواجه فيه النظام الدولي «القائم على القواعد» الليبرالية ضغوطاً هائلة، في ظلّ التعرِفات الجمركية العقابية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ووصلت إلى 50% على بعض الصادرات الآسيوية والأوروبية. وعليه، تسعى بروكسل ونيودلهي، من خلال هذه الصفقة، إلى تقليص المخاطر من طريق تنويع الشركاء التجاريين، وتقليل الاعتماد المفرط على قطبَين محدّدين، هما الولايات المتحدة والصين. فبالنسبة إلى أوروبا، تمثّل الهند بديلاً استراتيجياً لتصنيع السلع الحيوية وتوريدها، بينما ترى الهند في أوروبا سوقاً ضخمة ومصدراً للتكنولوجيا المتقدّمة والاستثمارات، خاصة وسط سعي نيودلهي إلى تعزيز مكانتها كمركز تصنيع عالمي منافس لبكين.
وتتضمّن الاتفاقية بنوداً تفصيلية تهدف إلى خفض الرسوم الجمركية بشكل جذري على تبادل السلع، ما يفتح الباب أمام تدفّق غير مسبوق للمُنتجات بين الجانبَين. ووفقاً للتفاصيل المُعلنة، وافقت الهند على خفض الرسوم الجمركية المرتفعة التي كانت تفرضها تاريخياً على قطاع السيارات (110%)، لتستقرّ، بموجب الاتفاق الجديد، عند مستويات تُراوِح بين 10% و40%، مع تحديد حصص استيراد تصل إلى 250,000 سيارة سنويّاً. ويمثّل هذا البند انتصاراً كبيراً لصناعة السيارات الأوروبية، وتحديداً لشركتَي «فولكس فاغن» و»رينو»، اللتين عانتا أخيراً من تراجع الطلب، وتبحثان عن أسواق ناشئة لتعويض خسائرهما.
وفي قطاع المشروبات والأغذية، حقّق المفاوضون الأوروبيون اختراقاً مهمّاً في السوق الهندية، بعد موافقة نيودلهي على خفض الرسوم على النبيذ والمشروبات الروحية، من 150%، إلى شرائح تُراوِح بين 20% و75% – اعتماداً على قيمة المنتج -. علاوة على ذلك، سيتمّ إلغاء الرسوم الجمركية بالكامل على زيت الزيتون الأوروبي (البالغة حالياً 45%) خلال فترة انتقالية مدّتها خمس سنوات، بالإضافة إلى تحرير واردات الأغذية المصنّعة، مثل الشوكولاتة والحلويات، من الرسوم التي كانت تصل إلى 50%.
في المقابل، حصلت الهند على امتيازات واسعة لصادراتها الصناعية والتقليدية، على أن تتمكّن قطاعات المنسوجات، والملابس، والمجوهرات، والسلع الهندسية، والمُنتجات الجلدية الهندية من الدخول إلى السوق الأوروبية الموحّدة برسوم مخفّضة أو صفرية. ويتوقّع الخبراء أن يعزّز هذا الوصول المباشر من قدرة الشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة على المنافسة، ويدعم خلق ملايين الوظائف في هذه القطاعات الكثيفة العمالة داخل الهند.
على أن الاتفاقية تتجاوز فضاء السلع المُصنّعة لتشمل تحريراً واسعاً لقطاع الخدمات، وهو ما كانت تطمح إليه نيودلهي بشدّة، نظراً إلى قوّتها في مجال تكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية. وستتمتّع الشركات الهندية بحقّ الوصول إلى 144 قطاعاً فرعيّاً للخدمات داخل الاتحاد الأوروبي، تشمل: الخدمات المالية، والنقل البحري، والخدمات المحاسبية، والقانونية. وبحسب مسؤولين في بروكسل، فإن الالتزامات التي قدّمتها الهند في مجال الخدمات المالية تُعتبر الأكثر طموحاً وشمولاً مقارنة بأيّ اتفاقية تجارية سابقة وقّعتها نيودلهي مع أطراف أخرى.
وافقت نيودلهي على خفض الرسوم على النبيذ والمشروبات الروحية، من 150% إلى ما بين 20% و75%
وفي موازاة تجارة الخدمات، توصّل الجانبان إلى إطار عمل شامل لتعزيز تنقُّل الأفراد، مع التزام الاتحاد الأوروبي بتسهيل حركة المهنيين والعمّال المَهرة، بالإضافة إلى بند مهمّ يتعلق بـ»التنقّل غير المحدود» للطلاب الهنود الراغبين في الدراسة في الجامعات الأوروبية. ويهدف هذا البند إلى تعزيز الروابط الثقافية والعلمية، وضمان تدفُّق الكفاءات الشابة لسدّ الفجوات في سوق العمل الأوروبية التي تعاني شيخوخةً ديموغرافية، مع توفير فرص التدريب والتطوير للشباب الهندي. أيضاً، تمّ استبعاد قطاع الألبان الهندي من خفض الرسوم لحماية المزارعين المحليين الصغار، وبالمثل، أبقى التكتُّل الأوروبي على حمايته لقطاعات اللحوم والسكر والأرز.
أمّا «آلية تعديل حدود الكربون» الأوروبية، فقد مثّلت نقطة خلاف رئيسيّة بين الجانبين، مع مطالبة الهند بإعفاء شركاتها من هذه الضريبة البيئية. وعلى رغم رفض الاتحاد منْح إعفاءات كاملة للحفاظ على نزاهة سياسته المناخية، اتّفق الجانبان على حلّ وسط يتضمّن تقديم بروكسل دعماً فنياً وتقنيّاً مُكثّفاً للشركات الهندية لمساعدتها على التوافق مع المعايير البيئية الأوروبية، وضمان عدم تضرُّر الصادرات الهندية عند دخول الآلية المذكورة حيّز التنفيذ الكامل.
وفي ما يخصّ قطاع الصلب، الذي يُعدّ أحد أهمّ صادرات الهند إلى أوروبا، تمّ الاتفاق على نظام حصص يسمح بدخول كميات كبيرة منه مُعفاة من الرسوم، مع التزام بمراجعة هذه الحصص بشكل دوري. وتأتي تلك الخطوة في محاولة لتهدئة مخاوف الصناعة الأوروبية، التي كانت «يوروفر»، الرابطة المتحدّثة باسمها، حذّرت من اختلال الميزان التجاري فيها لصالح الهند.
وإلى الاتفاقات الاقتصادية، وقّع الجانبان على ميثاق أمني ودفاعي جديد يكتسب أهمية استراتيجية قصوى، وتسعى أوروبا من خلاله إلى تشجيع الهند على تقليل اعتمادها التاريخي على المعدات العسكرية الروسية، وتقديم البدائل الأوروبية في مجالات التصنيع الدفاعي المشترك ونقل التكنولوجيا العسكرية. ويلحظ الميثاق تعزيز التعاون في مجالات الأمن البحري في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، والأمن السيبراني، والفضاء، ومكافحة الإرهاب.
وفي حين أكّد وزير الدفاع الهندي، راجناث سينغ، خلال محادثاته مع القادة الأوروبيين، أن هذه الشراكة تعكس التزاماً مشتركاً بالأمن العالمي والاستقرار، وتوفّر منصة لتعزيز القدرات الدفاعية الهندية من خلال التكنولوجيا الغربية المتقدّمة، نُقل عن رئيسة المفوّضية الأوروبية، قولها إن الاتحاد الأوروبي يستكشف شراكة أمنية ودفاعية أعمق مع الهند، وإن التعاون بين «العملاقين» يجعل العالم أكثر أماناً. ووفقاً لتقديرات اقتصادية صادرة عن مؤسسات مالية وبحثية، فإن الاتفاقية الجديدة ستُحدِث نقلة نوعية في حجم التبادل التجاري، مع توقُّع خبراء أن ترتفع صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند بنسبة تصل إلى 65%، فيما قال اقتصاديون في مومباي إن الصادرات الهندية إلى الاتحاد ستزيد بمقدار 50 مليار دولار بحلول عام 2031؛ علماً أن حجم التجارة الثنائية يبلغ حالياً حوالى 136 مليار دولار، يُتوقّع أن تتضاعف خلال العقد المقبل نتيجة إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية.
وإلى حين التصديق القانوني والبرلماني على الاتفاقية، التي يُتوقّع أن تصبح سارية اعتباراً من بداية العام المقبل، فإن الزخم السياسي والحاجة الاقتصادية الملحّة يرجّحان كفّة تمريرها بالإجماع.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
