شمس الدين الأحمد
تتصاعد أعمدة البخار مختلطة برائحة الصابون وحجارة المكان القديمة من إحدى حجرات حمّام أثري في محافظة إدلب، وعلى بلاطه ينساب الماء على مهل، ممزوجاً بضحكاتٍ متقطعة وصوت منشِد يشدو “أوووف”، فيما تعلو من حوله أصوات ضرب الكفوف ونداءات “يا عين يا ليل”، في مشهد يتكرر مع ليالي الشتاء الباردة، حيث تعود الحمّامات الأثرية والمسابح الشتوية لاستقبال زوّارها، حاملة معها طقوساً دافئة تتجاوز الاستحمام إلى استعادة الذكريات.
طابع تقليدي وذاكرة حيّة
تُعد هذه الحمّامات جزءاً من التراث الشعبي للمنطقة، ولم تقتصر وظيفتها على كونها أماكن للاستحمام فحسب، بل تحولت إلى فضاءات اجتماعية ارتبطت بعادات شتوية متوارثة، ما زالت حاضرة اليوم، وإن كانت بوتيرة أقل مما كانت عليه في السابق.
وتحافظ معظم الحمّامات على تقسيمها التقليدي المعروف، من البرّاني إلى الوسطاني وصولاً إلى الجواني، إضافة إلى غرف البخار والأحواض الحجرية، وهو ما يمنح الزائر تجربة مختلفة عن المرافق الحديثة، ويعيده إلى ذاكرة المكان وطقوسه القديمة.
ويرتبط نشاط هذه الحمّامات بفصل الشتاء بشكل شبه كامل، إذ تبدأ الحركة مع أول انخفاض ملموس في درجات الحرارة، لتبلغ ذروتها خلال شهري كانون الأول وكانون الثاني، ولا سيما في عطلات نهاية الأسبوع.
ورغم أن الإقبال اليوم أقل مقارنة بسنوات سابقة، إلا أنه لا يزال مستقراً نسبياً، وخاصة من فئة الشباب، الذين يعتبرون الحمّام تقليداً شتوياً ومكاناً للسهر لا يمكن الاستغناء عنه.
الحمّام العتيق.. تراجع الزوّار
في مدينة أرمناز بريف إدلب، يستقبل حمّام “العتيق” الأثري زوّاره خلال موسم شتوي محدود لا يتجاوز شهرين إلى ثلاثة أشهر سنوياً.
ويقول إبراهيم جهار، صاحب الحمّام، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن الموسم الحالي يُعد الأصعب على صعيد التشغيل، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار مواد الحرق المستخدمة لتسخين المياه، سواء البيرين أو الحطب.
ويضيف أن الحمّام يحتاج إلى تشغيل متواصل للحفاظ على حرارة المياه، ما يرفع كلفة الوقود، ولا سيما في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وصعوبة الاعتماد على بدائل أخرى، إلى جانب أعباء الصيانة الدورية التي باتت تشكّل ضغطاً إضافياً مع تراجع الإيرادات، لافتاً إلى أن الإقبال لا يزال محدوداً، إذ تشهد معظم الليالي أعداداً قليلة من الزوّار.
ويوضح جهار أن ملكية الحمّام تعود إلى مديرية الأوقاف، وأن استمراره في إدارته لا يرتبط بالربح بقدر ارتباطه بالحفاظ على معلم تراثي يخدم أهالي المدينة وريفها.
ولا يقدّم الحمّام خدمات إضافية، ويقتصر ما يوفّره على المشروبات الساخنة، في حين يعمد بعض الزبائن إلى إحضار طعامهم وأراكيلهم الخاصة والجلوس في الليوان.
حمّام الطاهرية في إدلب.. تراث أثري
يُعد حمّام الطاهرية في حي الصليبة بمدينة إدلب أحد أبرز المعالم الأثرية التي ما تزال قائمة حتى اليوم، ويعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من قرن، وبعد إغلاق دام نحو خمسين عاماً، أُعيد افتتاحه عام 2020 عقب أعمال ترميم حافظت على طابعه المعماري التقليدي.
ويتميّز الحمّام بتصميمه المشابه للحمّامات الشعبية القديمة، حيث يقود البرّاني إلى الوسطاني، ثم إلى ساحة صغيرة تتوسطها قبة تحتوي على فتحات للتهوية وإدخال الضوء، وتحيط بها غرف صغيرة تضم صنابير نحاسية وأجراناً حجرية.
ويقول حيدر غرير، صاحب الحمّام، لصحيفة “الثورة السورية”، إنه يضطر خلال فصل الشتاء إلى استخدام الحطب إلى جانب حرّاق المازوت لتدفئة المياه وأجواء الحمّام الواسعة، إضافة إلى تكاليف تعبئة المياه عبر الصهاريج، لعدم وجود بئر داخل الحمّام.
ويمتد الحمّام على مساحة تقارب 420 متراً مربعاً، ويستقبل زوّاراً من مختلف الأعمار، ولا سيما الباحثين عن تجربة استحمام تقليدية تجمع بين الخدمة والبعد الثقافي.
ويوضح غرير أن تمسّكه بالحمّام نابع من حرصه على عدم اندثار مهنة العائلة، والحفاظ على تقليد شعبي قديم ارتبط بحياة الناس لسنوات طويلة.
ويضيف أن الظروف المعيشية الصعبة أثّرت بشكل واضح على الإقبال، مشيراً إلى أن كثيرين باتوا يعتبرون حمّام السوق نوعاً من الرفاهية، ولم تعد زيارته منتظمة كما في السابق، بل اقتصرت على مناسبات محددة مثل الطهور والطقموشة والصباحية.
ويستعيد غرير صورة الماضي، حين كانت الحمّامات ملاذاً للعائلات في الشتاء بسبب غياب الحمّامات المنزلية، مؤكداً أن الواقع اليوم تغيّر، فرغم أن أجرة الدخول لا تتجاوز ثلاثة دولارات، إلا أنها تعادل أجر يوم عمل كامل لدى شريحة واسعة من الأهالي.
المسابح الشتوية.. حمّامات حديثة
إلى جانب الحمّامات الأثرية، برزت خلال السنوات الأخيرة المسابح الشتوية في ريف إدلب كخيار حديث يلبّي احتياجات شريحة من الأهالي، ولا سيما الشباب والعائلات.
ومن بين هذه المسابح، منتجع يقع على أطراف معرّة مصرين، يضم بركاً ساخنة ومساحات واسعة للجلسات وأنشطة ترفيهية متنوعة، ورغم ارتفاع تكلفة الدخول مقارنة بالحمّامات التقليدية، فإن الإقبال عليه يبقى ملحوظاً في أوقات الذروة.
ويقول نجدت حمادة، الإداري والمشرف على المنتجع، إن ارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، غيّر نمط ارتياد هذه المرافق، موضحاً أن الزيارات باتت أقل وغالباً ما تقتصر على مرة واحدة شهرياً، بعد أن كانت أسبوعية لدى كثير من الأهالي.
ويضيف حمادة، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن القائمين على الحمّامات والمسابح حاولوا ضبط الأسعار قدر الإمكان، إلا أن ارتفاع أسعار الوقود والمياه والكهرباء فرض زيادات محدودة انعكست مباشرة على عدد الزوّار، كما يشير إلى أن المنتجع يضم مسبحاً بمياه ساخنة، وتبلغ أجرة الدخول نحو ستة دولارات للشخص، مع إمكانية حجز ساعات خاصة أو أقسام مخصّصة للعائلات.
ويتابع حمادة أن المكان لا يقتصر على السباحة، بل يوفّر خدمات مرافقة مثل المأكولات والمشروبات والأركيلة، حيث يقضي الشبان أوقاتاً طويلة في أجواء اجتماعية تتخللها الأحاديث والجلوس في المياه الساخنة، كنوع من الترفيه المحدود في ظل الظروف الراهنة.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
