آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » روسيا وسوريا والحركة من “نقطة ميتة” إلى آفاق غير محدودة

روسيا وسوريا والحركة من “نقطة ميتة” إلى آفاق غير محدودة

رامي الشاعر

خلال لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن موسكو ودمشق نجحتا في رفع مستوى التعاون في المجال الاقتصادي من نقطة ميتة وأن التقدم ملحوظ.

من جانبه قال الشرع إن “روسيا، بالطبع، تلعب دورا كبيرا في سوريا وفي استقرار الوضع ليس فقط في سوريا بل في المنطقة أيضا”. وتابع: “تحتاج منطقتنا بشدة إلى الاستقرار، لذا شكرا جزيلا لكم سيدي الرئيس على جهودكم في هذا الشأن”.

وأكد بوتين على أن العلاقات الروسية السورية لها جذور عميقة، حيث وقع الاتحاد السوفيتي وسوريا، عام 1944، اتفاقية لإقامة علاقات دبلوماسية، وعلى مر هذه السنوات لم تشهد العلاقات بين البلدين أي فصول مظلمة. وأضاف بوتين أن العلاقات بين روسيا وسوريا تتطور بفضل جهود الرئيس السوري الشرع، الذي صرح، من جانبه، بأن عدد الزيارات المتبادلة بين روسيا وسوريا على مختلف المستويات بلغت 13 زيارة خلال العام الماضي وحده.

وقال بوتين إن روسيا “تراقب جهود الشرع لاستعادة وحدة الأراضي السورية”، وهنأ نظيره السوري بعملية استعادة وحدة الأراضي السورية التي تكتسب زخما، وأكد على ذلك الشرع بقوله إن سوريا “تجاوزت خلال العام الماضي مراحل وعقبات، آخرها كان تحدي توحيد الأراضي السورية”.

وكان الشرع قد أكد في مناسبات سابقة أن ثمة قواعد عامة رسخت في سوريا، نالت مباركة جميع الدول الإقليمية والكبرى، تتمثل في وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد الدولة، وهي بنود متفق عليها محليا وإقليميا ودوليا وغير قابلة للمساومة، واصفا من يطالب بتقسيم البلاد بأنه “جاهل سياسي وحالم”، ومؤكدا على أن المجتمع في سوريا “غير قابل للتقسيم، ويرفض الفكرة بالأساس”، معتبرا أن “عوامل وظروف التقسيم في سوريا غير متوافرة لدى أي طرف”.

ويتابع الشرع: “لا توجد مخاطر تقسيم حقيقية، وإنما هناك رغبات لدى البعض في محاولات لإنشاء كانتونات محلية داخلية، لكنه أمر مستحيل أن يحدث، منطقيا وسياسيا وعرفيا وعقليا”. وأكد أن تغيير الخرائط خطر كبير عصي على التنفيذ، مستشهدا بالسودان. كما أكد الشرع أن معركة توحيد البلاد بعد سنوات من الحرب “يجب ألا تكون بالدماء وبالقوة العسكرية”.

لا تخفي إسرائيل رغبتها في دعم أقليات عرقية ودينية في المنطقة من أجل تعزيز نماذج “حكم ذاتي”، تمنع عودة نظام حكم مركزي قوي قادر على ضمان وحدة وسيادة الدول على أراضيها، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة شرذمة المنطقة وإعادة رسم الخرائط وفقا لهوى المصالح الإسرائيلية في المنطقة.

لكن الجهود التي بذلتها الحكومة السورية لإنهاء ظاهرة تواجد مواقع عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والتي أسفرت عن اتفاق انسحاب “قسد” نحو شرق الفرات والرقة وتسليم تلك الأحياء لسيادة الدولة السورية بعد سنوات من العزلة والتوترات المسلحة، وفتح طريق “الكاستيلو” وتهدئة الوضع ميدانيا، هذه الجهود من جانب الحكومة السورية تمثل تحولا هاما في مسار الدولة السورية الجديدة وبسط سيطرتها على حلب وغرب الفرات بالكامل، تمهيدا لدمج الهياكل العسكرية والمدنية لـ “قسد” في الدولة السورية الجديدة، حيث تفيد التقارير باتفاق بين الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي على نشر قوات الأمن الداخلي في الحسكة والقامشلي، فيما سينضم المقاتلون الأكراد إلى القوات الحكومية بعد وقف إطلاق النار.

إن اللقاء بين بوتين والشرع هو لقاء العمل الثاني، للوقوف على الوضع الراهن فيما يخص التعاون الثنائي بين البلدين في شتى المجالات والقطاعات ووضع النقاط الأخيرة للبدء في خطوات التنفيذ العملي على الأرض. وأتوقع أن تدفع الثقة والمصداقية المتبادلة بين القيادتين الروسية والسورية اليوم نحو رفع وتيرة التعاون وتطوير العلاقات الثنائية فيما يحقق المنفعة المتبادلة للطرفين.

لذلك، تبدو التقارير التي تتحدث عن “صدع” في العلاقات الروسية السورية كمحاولات عبثية للاستخفاف بالإنجازات التي توصلت إليها إدارة الشرع، والبناء عليها لإعادة إعمار وتقوية كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية للشعب السوري الأبي القادر على تجاوز كل الصعوبات والتحديات بمساعدة الأصدقاء هنا في روسيا وغيرها من الدول الصديقة.

أعتقد أن اللقاء الموسع وحجم ومستوى المشاركة الرفيعة فيه يتحدثان عما تعنيه سوريا بالنسبة لروسيا، حيث حضر اللقاء الموسع وزير الخارجية سيرغي لافروف، ووزير الدفاع أندريه بيلاوسوف، وومساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ونائب رئيس ديوان الرئاسة مكسيم أوريشكين ونائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف ورئيس مديرية الاستخبارات الرئيسية لهيئة الأركان العامة إيغور كوستيوكوف ووزير البناء إيريك فايزولين ووزير المالية أنطون سيلوانوف ومدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني دميتري شوغاييف.

كما تعمل الهيئات والمؤسسات الروسية والسورية بنشاط منذ الزيارة الأخيرة للشرع، حيث زار وفد كبير من مختلف الوزارات الروسية سوريا، في إطار خطط لأنشطة في قطاعات الصناعة والرياضة والطب والبناء. بهذا الصدد قال الرئيس بوتين: “أعلن أن هناك الكثير مما يجب إعادة إعماره في سوريا، وخبراؤنا في شتى المجالات، بمن فيهم العاملون في قطاع البناء، على أتم الاستعداد لهذا العمل المشترك”.

وكان الشرع قد التقى بوتين في أكتوبر 2025، بينما أعربت موسكو مرارا وتكرارا عن استعدادها للمساعدة في تعافي سوريا من الأزمة ودعمها لوحدة البلاد وسلامة أراضيها وسيادتها، وفي المقابل، تعهد الشرع بالالتزام بجميع الاتفاقيات الروسية السورية القائمة، لا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على الوجود العسكري الروسي في قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية بالقرب من اللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

وتعليقا على قضية الوجود الروسي صرح متحدث الكرملين دميتري بيسكوف، يوم أمس الأربعاء 28 يناير، بأن قضايا وجود القوات الروسية لا شك ستثار خلال محادثات الرئيسين. لا سيما عقب إجلاء القوات الروسية من المطار قرب القامشلي في محافظة الحسكة إلى قاعدة حميميم الجوية، حيث كانت تلك القوات تستخدم مطار القامشلي في مهام حفظ السلام خلال فترة حكم الأسد.

وكان الشرع قد زار واشنطن، نوفمبر 2025، التقى فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واتفقا على التعاون لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وخففت الولايات المتحدة بعض العقوبات المفروضة على سوريا. وفي 27 يناير، عشية زيارة الشرع إلى موسكو، أفاد ترامب بأنه أجرى “محادثة رائعة” مع الرئيس السوري عبر الهاتف.

تتميز روسيا في الشرق الأوسط بعلاقاتها مع جميع الأطراف، وبخبرتها المستمدة ليس فقط من خبرتها على الأرض في المنطقة منذ عقود، وإنما أيضا بسبب مساهمة روسيا وقبلها الاتحاد السوفيتي في تدريب مئات الكوادر في شتى المجالات، ناهيك عن أن كثير من الأنظمة التي تعمل في سوريا بمعظم القطاعات الحيوية هي صناعة سوفيتية/روسية، لذلك فإن القضايا التي تناولها الجانبان الروسي والسوري تسعى لاستئناف ذات الزخم الذي دائما ما كان يميز العلاقات بين البلدين، وإزالة العوائق أمام صادرات المواد الغذائية الروسية إلى سوريا والتعاون في مجال الطاقة، مع إمكانية مشاركة الشركات الروسية في العمل على الأراضي التي تمكنت الحكومة المركزية من بسط السيطرة عليها.

أعتقد أن آفاق التعاون بين روسيا وسوريا، لا سيما في ظل دعم خليجي للقيادة السورية الجديدة بزعامة الشرع، مفتوحة ومن الممكن التوصل إلى صفقات مفيدة للجانبين، سنرى ثمارها على الأرجح في الأشهر المقبلة.

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اخطأ عبدي مظلوم ..!

  كتب محمد خير الوادي: اسئلة مشروعة تطرح نفسها، على خلفية المواقف المتشددة التي اتخذتها قسد امس ، والتي تجلت في التراجع عن موافقتها الاندماج ...