تخطّت رواية “الدار الفارغة” (La Maison Vide) للكاتب الفرنسي المتوّج بـ”غونكور 2025″ لوران موفينييه عتبة نصف مليون نسخة مباعة، في رقمٍ يبعث على ابتهاجٍ نادر في المشهد الأدبي الفرنسي.
خلال خمسة أشهر فقط من صدورها، بلغ عدد النسخ المباعة نحو 538 ألف نسخة، في مسارٍ لا يبدو أنه سيتوقف قريباً. فالرواية لا تزال تحافظ على حضورها ضمن قائمة العشرين الأكثر مبيعاً في فرنسا، بمختلف الأنواع والصيغ، فيما تواصل “دار مينوي” إعادة طبعها بوتيرة متسارعة، ويجوب مؤلفها المدن الفرنسية بين لقاءات وندوات وتواقيع، على أن يحظى العمل قريباً بزخم إضافي عبر إذاعة “فرانس إنتر”، بعدما أُعلن ترؤّسه هذا العام لجنة تحكيم “جائزة كتاب إنتر”.
وقت، وصبر، والتزام
بهجة الرقم الضخم لا تعود فقط إلى نجاحٍ تجاري لافت، بل إلى ما يمثّله من انتصارٍ لعمل أدبيّ يراهن على نقيض السائد. “الدار الفارغة” رواية لا تساوم على لغتها ولا على حجمها ولا على إيقاعها. سبعمئة صفحة تطلب من قارئها وقتاً، وصبراً، والتزاماً حقيقياً، بينما يُمجَّد الاختصار والسرعة والاستعجال في إطلاق الأحكام. الرواية لا تقتحم حياة القارئ، إنّما تبني له مساحة خاصة، تدعوه إلى الإقامة فيها، وإلى السير وفق إيقاع جملٍ طويلة، متدفّقة، تعود ببطء إلى طبقات الزمن، وتستخرج من الصمت ما أخفاه الماضي.
في جوهرها، هي تنقيب هادئ وعميق في شجرة عائلة، هي عائلة الكاتب نفسه، غارقة في تعقيدات الذاكرة والسكوت والتاريخ غير المكتوب. ورغم كثافتها، لا تلجأ الرواية إلى الاستعراض أو الإثارة. على العكس، تتحرك بحياءٍ لافت داخل أسرة عادية في بلدة صغيرة جنوب تورين في مطلع القرن العشرين، بلدة يسميها الكاتب “لا باسّي” بينما تحمل في الواقع اسم “لا هاي-ديكارت”. عالمٌ مصغّر تحكمه قواعد غير معلنة، نزاعات يومية صغيرة، قسوة أحياناً، وجمال خفيّ أحياناً أخرى، وشخصيات قد لا تكون سهلة أو محبّبة دائماً، لكنها شديدة الإنسانية.
من أبرز ما يميّز الرواية تلك الصور القوية للمرأة: نساء ظللن طويلاً على هامش السرديات الكبرى، فاستعادتهن الرواية بصوتٍ واضح، دقيق، ومنصف. ينجح موفينييه، على نحو نادر، في حمل هذه الأصوات النسائية وإيصال تعقيدها الداخلي، من دون ادّعاء أو خطابية، في واحدة من أكثر نقاط العمل حساسية وعمقاً.
مقوّمات سانحة
لا شك أن فوز الرواية بجائزة “غونكور” في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي شكّل دفعة قوية للمبيعات، غير أنّ النجاح سبق الجائزة نفسها. فقبل إعلان النتائج، كانت الرواية قد باعت نحو مئة ألف نسخة. نجاح مبكر، كما يروي الكاتب، إذ بدا منذ الأسبوع الأول أن “أمراً ما يحدث” في المكتبات، كانت مؤشّراته الإقبال غير المعتاد، الحماسة التي يصعب تفسيرها، والفضول الجماعي تجاه كتاب لم يكن قد قُرئ بعد على نطاق واسع.
لوران موفينييه (58 عاماً) صاحب مسار أدبي طويل يضم ثلاثة عشر عملاً روائياً، حصد خلالها جوائز عدّة، من بينها “جائزة كتاب إنتر” قبل خمسة وعشرين عاماً، كما تحوّلت بعض أعماله إلى السينما والمسرح. بعد صمتٍ روائي امتد منذ “حكايات الليل” عام 2020، تعود “الدار الفارغة” لتشكّل محطة فاصلة في مسيرته، وربما في حياته الشخصية أيضاً.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
