حسن حيدر
على وقع استمرار التحشيد العسكري الأميركي في الخليج، تتصدّر القضية النووية الإيرانية المشهد الدولي مجدّداً. ويأتي هذا مع عودة الرغبة المتبادلة في استئناف المفاوضات، وذلك بهدف ضبط حدود الصراع والتأسيس لتفاهمات جديدة. وفي السياق، تتمسّك طهران بمبدأ بنيوي صلب في عقيدتها التفاوضية، يقوم على الفصل الصارم والقطعي بين الملفات، إذ ترفض القيادة الإيرانية بحزم مقاربة «السلّة الواحدة» التي تسعى من خلالها القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى ضمّ ملفات لا تقلّ حساسية عن البرنامج النووي، من مثل منظومة الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي، إلى جدول المفاوضات.
ويستند هذا الموقف إلى تقديرات أمنية استراتيجية بأن دمج الملفات إنما هو فخّ لاستنزاف أوراق القوة الإيرانية، من دون ضمانات حقيقية بمكاسب موازية أو مُستدامة. ومن منظور صانع القرار في طهران، يشكّل البرنامج الصاروخي وشبكة التحالفات الإقليمية «أدوات ردع سيادية» غير قابلة للنقاش؛ ولذا، تصرّ طهران على حصر أي مسار تفاوضي محتمل في الإطار «التقني النووي» الصرف الخاضع لإشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مغلقةً بذلك الباب أمام أيّ محاولات لتوسيع مائدة التفاوض لتشمل عناصر القوة التقليدية التي ترى فيها صمام أمان لاستقرارها الاستراتيجي.
من جهة أخرى، ورغم حجم الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية من جراء الضربات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في صيف 2025، صدمت إيران المراقبين بقدرة لافتة على إعادة التأهيل والترميم السريعَين، خاصة في المنشآت الإدارية والبحثية الحيوية في نطنز وأصفهان وأماكن أخرى تعرّضت لهجمات قاسية. وحمل هذا الأداء رسالة مشفّرة مفادها أن طهران التى لم تكن تسعى لامتلاك «القنبلة»، تتطلّع اليوم إلى تثبيت «العتبة النووية» كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه.
تبرز قضية مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% كواحدة من أكثر الأوراق حساسية في البازار التفاوضي
فالوصول إلى هذه «العتبة» يعني امتلاك القدرة التقنية والمعرفية التي تجعل إنتاج السلاح النووي مجرد قرار سياسي سيادي يمكن تنفيذه في زمن قياسي؛ وهو ما يعني إفراغ أي ضربة عسكرية مستقبلية من جدواها الاستراتيجية، إذ إن تدمير الجدران والمنشآت لا يعني القضاء على المعرفة المتراكمة أو الكفاءات البشرية المحصّنة. وهنا، نجحت طهران في تحويل قدرتها النووية إلى «قوة كامنة» تمنحها تفوّقاً تفاوضياً، وتفرض على الخصوم التعامل مع واقع تقني لم تعد لغة الصواريخ قادرة على شطبه من المعادلة.
المهلة الفنية و»الكونسرتيوم»: هندسة الحقّ النووي
في صلب الطروحات التفاوضية الأكثر جدّية، يبرز سيناريو تقني يعكس رغبة المفاوض الإيراني في الجمع بين تثبيت «الحق النووي» واحتواء الهواجس الدولية. ويقوم هذا السيناريو على مبدأ إقرار «مهلة فنية ممتدّة» لعدة سنوات، لا يُحظر فيها التخصيب كلياً بل يُنظّم ضمن حدود رمزية وضوابط دقيقة. ووفق ذلك التصور، تحتفظ إيران بعدد محدود من أجهزة الطرد المركزي ومستويات تخصيب منخفضة، وبكميات لا تتجاوز الاحتياجات البحثية، بما يكفي لتأكيد حقّها السيادي في امتلاك دورة الوقود النووي، من دون تراكم مخزون يثير الريبة. والهدف هنا، هو تثبيت المبدأ وليس التوسّع في الإنتاج، بما يعطّل الذرائع الغربية الرامية إلى عسكرة الملف.
ويتكامل هذا الطرح مع الفكرة الطموحة لإنشاء «كونسرتيوم دولي» لتخصيب اليورانيوم، تكون فيه إيران عضواً مؤسّساً وشريكاً فاعلاً؛ وهو مشروع لا يوفّر الوقود النووي للأغراض السلمية فحسب، بل يتيح لطهران الاندماج في التكنولوجيا النووية المدنية المتقدّمة عالمياً. والفكرة هذه، لا تُعدّ تنازلاً من وجهة نظر إيران، بل آلية لحفظ الحقوق النووية، ريثما تكتمل إعادة بناء البنية التحتية الوطنية وفق معايير الجيل النووي المقبل. وخلال تلك الفترة، تواصل طهران تطوير منشآتها وتجهيزها بأجيال متقدّمة من أجهزة الطرد المركزي تحت عين «الوكالة الدولية»، بحيث يصبح استئناف التخصيب عند انتهاء المهلة حقاً قانونياً ثابتاً غير قابل للطعن.
وفي موازاة المسار التقني المُعقّد، تبرز قضية مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% كواحدة من أكثر الأوراق حساسية في البازار التفاوضي. وتشير التقارير إلى وجود نحو 410 كيلوغرامات من هذه المادة، جزء منها «مجهول المكان» بدقّة، وموزّع في منشآت شديدة التحصين في أعماق الجبال. والغموض هذا، إنما هو انعكاس لاستراتيجية إيرانية واعية تهدف إلى فرض التفاوض على المخزون بوصفه «كتلة واحدة» غير قابلة للتجزئة أو الشطب نتيجة الضربات العسكرية.
ويضع إبقاء مصير هذا المخزون مُعلّقاً، واشنطن أمام معضلة أمنية كبرى، عنوانها إمّا القبول بتسوية شاملة تضمن عودة الرقابة الصارمة، مقابل رفع كامل للعقوبات، أو التعايش مع وجود مادة نووية «حرجة» ومحصّنة خارج أي إطار اتفاقي واضح، وهو ما يكرّس محدودية الخيار العسكري وفشله في تحييد التهديد النووي الإيراني بشكل نهائي.
كذلك، تضع المقاربة الإيرانية التي نجحت في توظيف ضربات 2025 كقوة دفع دبلوماسية، واشنطن والعواصم الأوروبية، أمام اختبار القدرة على اجتراح صيغة تضمن سلمية البرنامج من دون المساس بجوهر القدرة، وهو ما يفرض الانتقال من منطق الإملاءات إلى منطق الندّية السياسية. بتعبير آخر، بات لزاماً على القوى الدولية استيعاب تحوّل إيران إلى «دولة حافة» كمعطى استراتيجي لا يمكن الالتفاف عليه بالضغط الاقتصادي وحده، ولا حتى بالاكتفاء بالتلويح بالخيار العسكري الذي تآكلت فاعليته أمام تحصين «المعرفة النووية».
بالنتيجة، ستظلّ نتائج التفاوض المُرتقب رهينة القدرة على هندسة توازن يحفظ لطهران حقوقها، ويلبّي بعض المطالب الأميركية في الوقت نفسه. وفي حال الوصول إلى هكذا تسوية، تكون إيران قد تمكّنت من إرساء قواعد اشتباك جديدة، عنوانها أن الطريق إلى أي استقرار إقليمي، يمر بالضرورة من بوابة الاعتراف بحقوقها النووية، وبأن أمنها يعني أمن المنطقة كلها.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
