آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » دليل الردح المجاني: «بدنا نروق» يا هيفا!

دليل الردح المجاني: «بدنا نروق» يا هيفا!

 

بول مخلوف

 

 

 

يُخيَّل إلينا، للوهلة الأولى، أنّ هيفا وهبي قد عثرت على الترياق المناسب لزمننا المضطرب الفاقد لأعصابه. صرختها الافتتاحية المشحونة بـ«لا» الناهية، تنذر للمستمع بأنه أمام موعدٍ مع خطاب «قطعيّ» يتقدّم لمواجهة عاصفة هوجاء واثق بقدرته على السيطرة عليها. على نحوٍ يختلف عن مراتها السابقة، تجيء «لا» وهبي هذه المرة بنبرةٍ جازمةٍ، بعكس ما اعتاده المستمع منها، إذ عرفها بالـ«آه» لا بالـ«لا»، وبالغنج لا بالصرامة، وبالتشويق لا بالهدوء. الصرخة هذه المرّة خالية من الإثارة، على نحو لا يشبه صرخاتها الأقرب إلى الهمس والأنّة والتأوّه. أهو أثر العمر؟ هل هي تداعيات الشهرة؟ أم أنّ الإجهاد بالنمائم استنزف «طاقتها»؟

 

في أغنيتها الجديدة «بدنا نروق»، توجّه هيفا رسالة «للحسّاد» الثرثارين. هي تدعو إلى التهدئة، والأدق قوله، إنها تأمر بالهدوء من دون أن تستثني نفسها: «بدنا نروق، على بعض نروق»، تقول. في الجوهر، هي دعوة إلى الهدوء والتروي، لكنها تصدر من صوت مشدود، مرتبك بعض الشيء، عاجز عن إخفاء غضبه.

 

كأنها تفرض على الآخرين السكينة نيابة عنها، كأنه هدوءٌ بالوكالة ولو أدرجت نفسها في صيغة الجمع «بدنا نروق». كما هو واضح، تطالب هيفا بالخفض لا بالتصعيد، فهي لا تريد إحداث جلبة ولا المشاركة في الضجيج. تكتفي بتذكيرهم/ هن من علوِّها، بعلوِّها «أنا مش عم جرب إطلع، أنا أصلاً فوق».

 

من أسبوع الموضة في باريس

من أسبوع الموضة في باريس

 

لكنّ شيئاً ما متزعزعٌ وغير ثابتٍ هنا رغم هذا العلوّ المعلن. نحن لا نعلم ما الذي حدث تحديداً، ولا نعرف اقتصاد الثرثرة أو سيمياء القيل والقال، غير أنّ ما هو واضح أن من تقف في الأعلى تبدو مستهجنة ومهزوزة. لا هي قادرة على التعبير، ولا قادرة على رسم المشهد، ومع ذلك، لا تملك سوى التكرار تتمسك بلازمة واحدة: «بدنا نروق، بدنا نهدى شوي».

 

يلوح الأبوكاليبس في الأفق، يهرع الفنّ المعاصر إلى ابتداع معجمه الخاص من قبيل «طوارئ جمالية» و«فن ما بعد الكارثة»، والمطربة التي تنعم بذكاء حاد بحسب وصف «النقّاد» لها، لا ترى حاجة إلى كل هذا التعقيد، بل تقترح التعامل مع الخراب على طريقة العلاج بالأعشاب: «بدنا نروق، بدنا نهدى شوي».

 

ما هو الخراب الذي حلّ على هيفا؟ هناك من تناولها بالسوء. «الديفا» تدرك الأمر لكنها تتعالى عليه، تتصرف وكأنها فوقه، غير آبهة بالألسنة الثرثارة ولا بالأعين المتربصة بها «مسموح الحكي بالقفا/ بس الحكي عم بزيد/ يلي بيسمعكم/ بفكر إنه يعني في بحياتكم شي مفيد». أمام هذه الفاجعة، تفضح هيفا التي تزدري من ليس لديهم شيء مفيد في حياتهم، عن رغبتها بالصمت: «مش جايي عبالي إحكي/ وإحكي عن حالي»، لكن الصمت لا يصمد طويلاً لأن الحكي، للأسف، «عم يزيد».

 

لذلك، وحين تبيّن أنّ التهدئة وحدها لا تؤدي الغرض، لجأت إلى تذكيرهم بماهيتها، بالفارق بينها وبينهم: «أنا دهب/ إنتو فراطة/ أنا كاش إنتو بلاش/ أنا واغيو/ إنتو بطاطا».

 

الأغنية المليونية

الضجيج الذي تحاول صاحبة الأغنية بأغنيتها التغلّب عليه، والثرثرة التي تتبرم منها يطفوان في كلمات «بدنا نروق» بفيض فارغ. يعيدان إنتاج ما تزعم الأغنية أنها جاءت لإخماده. مع ذلك، حصدت «بدنا نروق» نحو 19 مليون مستمع على يوتيوب في أقلّ من شهر، وترفق على الانستغرام بعبارة «الأغنية التي ستعلق في رأسك»، علقت، بالفعل، في الآذان كالصمغ. لسببٍ ما اجتاحت «بدنا نروق» الفضاءات العامة والخاصة، إلى حدّ أنها تحوّلت عند البعض إلى مانيفستو سياسيّ، فيما تسللت إلى البرلمان النيابيّ وغدت حديث السلطة.

 

 

 

كل ذلك بفضل عبارة «شعبية» واحدة نرددها جميعاً في الأوقات الساخنة: «بدنا نروق». أما الشطر الأخير: «أنا واغيو/ إنتو بطاطا» فهو مثال مكثّف لا عن طبقية هيفا، ولا عن كونها نموذجاً فجّاً عن الكيتش الرأسمالي (واغيو هو اللحم الياباني الفاخر الباهظ الثمن)، ولا اعترافاً بأنها ظاهرة انبثقت من مسلخ واغيو العرب، «روتانا»، بل عن ضحالة لغوية نادرة، قلّما يعثر على ما يضاهيها في عالم الترفيه والأداء لا الفن.

 

نحن أمام أغنية تطلب صاحبتها الهدوء من دون أن تكون هادئة، وأمام خطاب لا يعدو كونه ضحلاً لغويّاً من دون أن يحول ذلك دون ذيوعه. تؤكد هذه المفارقة، مرة جديدة، أن هيفا وفقاً «للحس العام»، أقوى من اللغة.

 

ليس مستغرباً أن تعبّر هيفا في أحد مقاطع أغنيتها، عن رغبتها في الصمت «مش جايي عبالي إحكي». ذاك أنّ معجم «الديفا» لا يتجاوز «الواوا» و«الأح» و«البح». هذا وإن ارتأت أن «تحكي عن حالها»، سنكون إزاء تعبير طفولي ينتج النفور، والإحراج، وفي بعض الأحيان اليأس من فرط التفاهة. وهو سلوك التصق بهيفا طويلاً بل تحوّل إلى «بيرسونا» خاص بها. زيّنتهُ أضواء الكاميرات، وبهرجة المايك آب، وضحكة بلاستيكية مصطنعة، تتقهقه على أكثر الأقوال ركاكة، لو سمعها المستمع من دون أن يرى مطلقتها لتوقّع فتاة في عمر المراهقة.

 

هيفا في الخطاب السياسي

شاء المتظاهرون والمحتجون في بيروت أن يستمدوا شعاراتهم ويختزلوا مواقفهم السياسية من هذه الضحالة اللغوية تحديداً. اجتمع الغاضبون في الساحات، ورفعوا لافتاتٍ كتب عليها «بدنا نروق». وبالمثل، حلّت «بدنا نروق» مكان المطرقة التي تلجم الإيقاع في قاعة مجلس النواب، وكان كلما احتد النقاش بين نائبين صاح نائب ثالث وقال: «بدنا نروق، بدنا نهدى شوي».

 

هكذا، لم تعد «بدنا نروق» عبارة تداولية شائعة إنّما أضحت «مقولة» لها مرجعها: هيفا، وكأننا أمام ابتكار شيكسبيريّ أو إضافة لغوية من طراز مساهمات دانتي للإيطالية.

 

والحال، فإنّ تمسّك المتظاهرين الغاضبين من الساسة بالمقولة «الهيفاوية»، وتمسّك الساسة بدورهم بها، إن دلّ على شيء، فعلى الخواء العام والعارم الذي نعيشه. في هذه اللحظات تحديداً، لا ينكشف واحد من أوجه «الخراب» الذي نعيشه، أزمة الخطاب، بل يتكشف موت السياسة نفسها.

 

من أسبوع الموضة في باريس

من أسبوع الموضة في باريس

 

داخل هذا الضجيج الذي يزعم أنه كلام هادئ يفضل الصمت على الثرثرة والتجريح، تجد السياسة اللبنانية مرادفاً لضحالتها السحيقة في «بدنا نروق».

حين تستدعى «بدنا نروق» هذه لتؤدي وظيفة سياسية، فذلك دليل على فراغ السياسة من أي مضمون لغوي خاص بها. عندما يستعان ببدنا نروق «الهيفاوية» كممارسة سياسية، لهو توكيد أنّ السياسة في لبنان جثة هامدة، تعجز أفروديت نفسها عن إنعاشها وجعل قلبها يخفق.

 

نرجسية متورمة

ولو أخذنا بجدّيةٍ الدعوة من «بدنا نروق» وحاولنا زجّها في السياق السياسي، لخلصنا أننا أمام تبنيج وتخدير وليس أمام تحريض أو، ما عاذ الله، تثوير. على أنّ هذا الهدوء المنشود هو ما سماه أدورنو بـ«المصالحة الزائفة»، أي تحويل المعاناة إلى ترفيه، وإعادة تدوير الغضب للتأقلم معه عوضاً عن الاعتراض عليه.

 

بعيداً من كون الأغنية، في أصلها، أغنية موقعٍ وامتياز، يطفو عليها تفاخر طبقيّ مقيت، فهي لا تقول شيئاً، ولا تفعل غير الاستعراض. وبدعوتها هذه، تفرغ طاقة من صدّقها في اتجاه غير مجدٍ، ضمن مسار صوتيّ ناشز عن كل مقامٍ. اعتادت هيفا على ضخ الانفعال، الآن هي تدعو إلى كبحه. هل هو العمر، هل أنها وفرة فنانات الكيتش الجدد؟ غريب.

 

في «بدنا نروق» هناك شخص واحد يتكلم، يخاطب، يغني (؟). وفي كلماتها، تفضّل الانغلاق على الذات عوضاً عن المصارحة واعتماد الشفافية. تدخل الأنا في «بدنا نروق» أحياناً في صيغة الجمع، فتكون «واحدة من»، ولكن سرعان ما تتنصل منهم/ هن وتعيد التذكير بأنها «فوق، فوق، فوق».

 

تعمل الأنا في آلية تمويه خبيثة؛ تشرك نفسها في لعبة التهدئة فتنقلب على «هدنتها» وتفصح عن موقعها الهرميّ «أنا فوق». ومن موقعها الهرميّ هذا، لا تكفّ عن تعداد سماتها: «أنا كاش، أنا دهب، أنا واغيو». هكذا، تغدو الأنا على الضد من الجماعة، كأننا أمام ذعر نرجسي يستيقظ لحظة شعورها بتهديد الجماعة لها، فيما تكتفي هذه الأنا بالإفصاح عن نفسها، من دون أن تخبرنا شيئاً عن الآخر.

 

تمثّل هيفا عرضاً صريحاً لنرجسية متضخمة ومتورّمة. ذاتٌ لا تواجه الآخر، بل تطلب منه أن يخفّف حضوره كي لا يزعج «علوّها» الهشّ. ذاتٌ لا تني تخبرنا عن موقعها، وقيمتها الثمينة، وكأن أغنيتها تفريغ لمونولوغ تحدثها إياه مرآتها حين تنظر، وهبي، إليها.

 

ما الحلّ أمامنا غير إجبار أنفسنا على اعتناق الهدوء؟ لا حلّ سوى اللجوء إلى المهدئات العصبية، رغم انقطاع الكزاناكس من الأسواق. وجب علينا أن «نروق». فهذا الضجيج والثرثرة الصاخبة هراء لا يحتمل. «بدنا نروق»، ليس حباً بالسكينة بل خوفٌ من الصلع؛ قبل أن يتساقط ما تبقى من شعرنا من فرط حك الرؤوس، بفعل هذه الظواهر التي جعلت الوجود يشبه عبارة غابريال مارسيل «جيب هوائي فارغ».

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محاضرة في ثقافي أبو رمانة تستعرض واقع المسرح السوري وتحدياته وآفاق تطويره

    استضاف المركز الثقافي العربي في أبو رمانة بدمشق اليوم الأحد، محاضرة بعنوان «المسرح السوري بين الواقع والطموح» قدّمها المخرج المسرحي الدكتور عجاج سليم، ...