إخلاص علي
لا يزال موظفو مؤسسات الصحّة والتربية والتعليم ينتظرون زيادة رواتبهم بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على إعلان وزير المالية، محمد يسر برنية، أنّ الوزارة ستركّز خلال الأسابيع القادمة على رفع رواتب العاملين في هذه القطاعات ضمن خطّة استكمال إصلاح منظومة الرواتب والأجور لتشمل جميع الوزارات وموظفي القطّاع العام.
وبدأت الخطّة فعلياً بزيادة شاملة بنسبة 200 بالمئة لجميع العاملين في الدولة، تلتها زيادات خاصة في وزارات العدل والداخلية والدفاع، وكان من المقرّر أن تستهدف المرحلة الجديدة القطاعات الخدمية الرئيسة المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين، وأبرزها التربية والتعليم والصحة.
إلا أنّ آلاف العاملين في التربية والتعليم والصحّة الذين استبشروا بهذا الإعلان يجدون أنفسهم اليوم أمام وعود لم تتحقق، وتحوّلت مع مرور الوقت إلى مصدر قلق وإحباط متزايد، وسط غياب أيّ توضيحات رسمية حول موعد التنفيذ أو تفاصيل هذه الزيادات الموعودة، بينما يعيش الموظفون ظروفاً معيشية صعبة نتيجة ارتفاع مستمر في الأسعار، ما يثير تساؤلات حول أولويات الحكومة في إدارة الموارد المالية.
ورداً على تساؤلات صحيفة “الثورة السورية”، قال المكتب الإعلامي في وزارة المالية إنّ “معاليه (وزير المالية) مسافر حالياً”، وإنّ هذه التساؤلات جوابها “الطبيعي” أنّ الوزارة “لم تعلن عن الموعد (لتطبيق الزيادة) بعد، وحين الإعلان عنه سيتمّ النشر على جميع المعرّفات التابعة للوزارة أو الوزير”.
واقع صعب
على الأرض، يتحمّل الموظفون وطأة هذا الانتظار وسط ظروف معيشية صعبة.
ويقول علي محمود (38 عاماً)، ممرّض في مستشفى حكومي: “الزيادة أصبحت أشبه بحلم مؤجّل، فيما أسعار الدواء والمواصلات ترتفع باستمرار وتلتهم رواتبنا”.
من جهتها، تواجه المعلمة رنا ديوب (32 عاماً) حالة من عدم الاستقرار بسبب التخطيط الذي ربطته بالوعد الحكومي، وقالت: “ربطنا أقساط المدارس وإيجار البيت بوعد الزيادة، التأخير دون توضيح يضعنا في دوامة القلق”.
ويرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو، أنّ تأخير زيادة رواتب قطاعي الصحّة والتعليم يرجع إلى “ضيق مالي حقيقي”، وضرورة إعادة ترتيب الأولويات بعد تحرير الجزيرة السورية.
وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية”، في تعليقه على زيادات الرواتب بوزارات العدل والداخلية والدفاع، أنّ القطاعات الأمنية والعسكرية تستحوذ على الأولوية الفورية حالياً لأسباب سيادية، مؤكّداً التزام الدولة بموضوع الرواتب مع الحاجة إلى وقت لترتيب الأولويات.
وأضاف أنّ عائدات النفط والغاز والقمح من الجزيرة السورية ستشكّل نقلة نوعية في الإيرادات خلال سنة أو أكثر، كما ذكر أنّ حملات مكافحة الفساد أعادت مئات المليارات للدولة.
زيادة انتقائية
طرح شعبو رؤية للمعالجة تقوم على “زيادة انتقائية” تستهدف الكوادر النادرة والمناطق الأشدّ احتياجاً، إضافة إلى إشراك المجتمع عبر آليات مثل التأمين الصحي الإلزامي ورسوم رمزية على التعليم، والاستفادة من التمويل الخارجي المباشر لدعم الرواتب دون تحميلها على الموازنة.
وأعرب شعبو عن تفاؤله، معوّلاً على الموارد الطبيعية من الجزيرة لتخفيف الأعباء في المستقبل القريب، شريطة الإدارة الصحيحة لهذه الأموال.
العامل المالي
يرى الخبير الاقتصادي سامر رحال، أنّ الحكومة تتعامل مع العدل والدفاع بوصفهما قطاعين سياديين مرتبطين مباشرة بضبط الاستقرار الأمني والمؤسسي في بيئة هشّة، وبهذا المنطق، تبدو الأولويات مُدارة بمنطق درء المخاطر الآنية على حساب القطاعات التنموية طويلة الأمد كالصحّة والتعليم.
وقال رحال لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ العامل المالي حاضر بقوّة، فالصحّة والتعليم يمثّلان الكتلة الوظيفية الأكبر، وأيّ زيادة حقيقية فيهما تعني التزاماً مالياً دائماً يصعب احتواؤه في موازنة ضعيفة، لكنّه حذّر من أنّ هذا النهج الانتقائي يحمل كلفة اجتماعية باهظة، تتمثّل في تعميق هجرة الكفاءات، وإضعاف جودة الخدمات العامة، وترسيخ الشعور بعدم العدالة.
واعتبر أنّ تأخير زيادة رواتب الصحّة والتعليم مؤشّر على تحوّل في ترتيب الأولويات، وهو ما قد يخفّف الضغط المالي لفترة قصيرة، لكنّه يراكم خسائر مؤسسية وبشرية قد تعوق أيّ تعافٍ اقتصادي حقيقي في المستقبل، مذكّراً بأنّ بناء الإنسان هو أساس نهوض أيّ دولة.
الزيادة الناجحة
يؤكّد رحال أنّ رفع الأجور دون اتخاذ إجراءات أخرى غالباً ما يتحوّل إلى وقود إضافي للتضخّم، فالشرط الأساسي لأيّ زيادة ناجحة هو طريقة تمويلها، إذ يجب أن تستند إلى موارد حقيقية عبر تحسين الجباية وتقليص الهدر، وليس إلى طباعة النقد.
كما تبرز، بحسب الخبير الاقتصادي، ضرورة مرافقة الزيادة بحزمة متكاملة تشمل ضبطاً فعلياً للأسعار عبر كسر الاحتكارات وتعزيز الرقابة، وحماية سلّة الاستهلاك الأساسية عبر دعم ذكي، والعمل على استقرار سعر الصرف، فالأجر الحقيقي يُقاس بما يبقى من الراتب في نهاية الشهر.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
