آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي » رحلة العبور من رفح: أهلاً بكم في «سجن غزّة الكبير»

رحلة العبور من رفح: أهلاً بكم في «سجن غزّة الكبير»

 

يوسف فارس

 

 

تقدّم الصور والشهادات الواردة من معبر رفح البري، نموذجاً عملياً للرؤية الإسرائيلية لشكل إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. فبدلاً من صالة الانتظار وكابينات ختم الجوازات ومسارات نقل شنط المسافرين، استنسخت سلطات الاحتلال البناء الهندسي لأسوأ سجونها، حيث يمرّ المسافر عبر ممرّ طويل أرضيته من الحصى، تحيط به من الجانبَين جدران حديدية وأسلاك شائكة، وينتهي إلى بوابة فحص إلكترونية تفضي إلى نقطة تفتيش يتمركز فيها جنود العدو.

أمّا مسار السفر الصعب إلى خارج القطاع، فيخضع لثلاث موافقات أمنية، ويقتصر على فئات محدودة، في مقدّمتها المرضى والجرحى. ويتطلّب الخروج من غزة ترشيحات من وزارة الصحة للحالات المرضية الأكثر أولوية من بين أكثر من 12 ألف جريح، ثمّ الحصول على موافقة أمنية إسرائيلية، وأخرى من «بعثة الاتحاد الأوروبي»، وثالثة من الجانب المصري. ومن المُفترض أن يُسمح يومياً بسفر 50 مريضاً، يرافق كلّاً منهم شخصان؛ غير أن اليوم الأول لعمل المعبر كشف عن إجراءات مُعقّدة ومماطلة في خطوات التفتيش والمرور، من شأنها أن تجعل خروج هذا العدد مستحيلاً، في وقت يرتبط فيه عدد من يُسمح لهم بالمغادرة، على ما يبدو، بنسبة من يُسمح لهم بالدخول إلى القطاع.

 

وبناءً على هذه المعادلة، وفي ظلّ إصرار جيش الاحتلال على تحويل السفر إلى تجربة ترهيب ومعاناة غير آمنة العواقب، لم يُسمح في اليوم الأول إلا بدخول 12 مسافراً في ساعة متأخّرة من الليل، فيما رفض الاحتلال دخول 30 آخرين. ووفقاً لشهادات عدد من العائدين، لم يفرّق جنود العدو في معاملتهم بين رجل وامرأة أو بين كهل وشاب؛ إذ أجبروا المسافرين على الوقوف لأكثر من عشر ساعات متواصلة، وانهالوا عليهم بالصراخ والتوبيخ والتهديد بالاعتقال. وبدا هذا السلوك مُعمَّماً على جنود «الشاباك» جميعاً، الذين كانوا يهينون امرأة لأن صوتها منخفض قليلاً، وأخرى لأنها تحدق في عيون الجنود من دون خوف، قبل أن يُخضِعوا المسافرين كافة لتحقيق أمني مكثّف، ويعرضوا عليهم بوقاحة العمالة والتعاون معهم في تقديم معلومات أمنية عن المقاومين.

وبحسب شهادة سيّدة تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن جنود الاحتلال تعاملوا معهم كـ«معتقلين»؛ إذ عصبوا أعينهم وكبّلوا أيديهم، ثم اقتادوهم إلى غرفة تحقيق تجاوز الجلوس فيها الثلاث ساعات، قبل نقلهم بعد رحلة طويلة من العذاب، إلى رفح، حيث كان في انتظارهم عملاء أبو شباب. وتشير السيدة إلى أنها «شاهدت رجلين وامرأة من مجموعته يصعدون إلى الحافلة في رفح، قبل استكمال الرحلة نحو غزة».

بدورها، تقول المواطنة صباح الرقب، إحدى العائدات إلى غزة بعد رحلة علاج طويلة وشاقّة، في حديثها إلى «الأخبار»: «تلقيتُ اتصالاً هاتفياً أُبلغت فيه بأن الحافلة ستتحرك عند منتصف الليل. لملمتُ أغراضي على عجل وتركت أشياء قيل لي إنها ممنوعة». وتلفت إلى أنه «منذ الثالثة فجراً وحتى السادسة صباحاً بقيت في العريش في انتظار التحرّك. أخيراً، انطلقت الحافلة بين السادسة والسابعة صباحاً، وخلفها خمس حافلات تقلّ مرضى. وبعد كل هذا الانتظار، سُمح لحافلتنا بالمرور، فيما أُعيدت الحافلات الخمس». وتضيف: «خضعنا لتفتيش في السفارة المصرية حيث سئلنا عن كلّ غرض نحمله، ثم خضعنا لتفتيش آخر، ثم لإجراءات الجوازات».

 

تؤكّد أرقام اليوم الأول لعمل المعبر الطابع الشكلي وغير الواقعي للآلية الجديدة

 

 

أمّا عند دخول الصالة الفلسطينية، فتبدأ مرحلة جديدة من الإرهاق، وفقاً للرقب التي تبيّن أنه في تلك الصالة «كان يتوجب علينا أن نخضع لأخذ البصمات، وتدقيق الأسماء، وتفتيش الأمتعة، فيما مُنعنا من إدخال بعض الأغراض الشخصية»، مضيفة أنه «بعد ذلك انتظرنا ساعات في الجانب الأوروبي، حيث فُتّشت الملابس قطعة قطعة، بإجراءات باردة وبطيئة، ثمّ سرنا مسافة طويلة في إضاءة خافتة حتى الوصول إلى الحافلة، وسط وجود أجانب وأميركيين وجنود من كلّ حدب وصوب».

وبحسب التعليمات التي تلقّاها العائدون، فإنه يُسمح لكلّ شخص بإدخال حقيبة شخصية تحتوي على ملابس ووثائق رسمية فقط، بالإضافة إلى مبلغ نقدي لا يتجاوز 2000 شيكل (نحو 700 دولار) بشرط تقديم تصريح مُسبق بالمبلغ قبل 24 ساعة. كما يُمنع إدخال السوائل، بما فيها الماء ومزيلات العرق والكريمات، فيما يُسمح بإدخال هاتف محمول شخصي واحد فقط، ويُحظر إدخال أي أجهزة إلكترونية أخرى والسجائر.

 

على أن رحلة المعاناة هذه لا تنتهي عند تجاوز بوابات جنود «الشاباك» الإسرائيليين؛ إذ يبدأ فصل إضافي من التنكيل لدى الوصول إلى نقطة تفتيش أخرى تابعة لمجموعات العملاء في مدينة رفح، حيث يخضع العائدون لجولة جديدة من التفتيش. في هذا السياق، تقول إحدى العائدات، في حديثها إلى «الأخبار»، إن «العملاء دخلوا إلى الحافلة وفتّشوا الملابس والأغراض بشكل أكثر دقّة، قبل أن يقتادوا ثلاث نساء إلى التحقيق». وبحسب إحدى السيدات التي خضعت لتحقيق استمر ساعتين، فإنهن «تعرّضن خلال التحقيق للضرب ورشّ الماء والتهديد بالاعتقال. طلبوا منا معلومات عن أشخاص من أقربائنا وجيراننا لا نعرف عنهم شيئاً، وسرقوا مصاغ ابنتي، وفي النهاية جاء أحد عناصر البعثة الأوروبية واعتذر وسمح لنا بالمغادرة».

 

واستناداً إلى هذه الشهادات، أفادت مصادر مطّلعة، أمس، بإجراء تعديل على بروتوكول العبور، بحيث تنتقل مسؤولية تأمين المسافرين القادمين من مصر وضمان وصولهم بأمان، إلى «البعثة الأوروبية» العاملة على الجانب الفلسطيني من المعبر. وبموجب ذلك، يُفترض أن تتحمّل البعثة المُشار إليها مسؤولية أي انتهاكات – على غرار التي حدثت الإثنين – تمسّ المسافرين، أو أن تعلن موقفاً واضحاً إزاء الممارسات اللاإنسانية التي تعرّض لها العائدون على أيدي جيش الاحتلال والميليشيات المتعاونة معه.

وأيّاً يكن، تؤكّد أرقام اليوم الأول لعمل المعبر، الطابع الشكلي وغير الواقعي للآلية الجديدة. فبحسب البيانات، غادر القطاع ما بين خمسة إلى ثمانية مرضى برفقة مرافقيهم، فيما عاد إلى غزة 12 فلسطينياً فقط بعد ساعات طويلة من الانتظار، رغم أن الاتفاق كان يقضي بخروج نحو 150 شخصاً مقابل دخول قرابة 50 آخرين. وفي المحصّلة، لم يقتصر المشهد على هذا التعطيل الإداري، بل ترافق مع محاولات إذلال وترهيب للعائدين، ومنع مسافرين من الخروج أو العودة من دون أسباب واضحة، إلى جانب إخضاع مرضى للتحقيق والمعاملة المهينة التي عوملوا خلالها كالأسرى لدى إسرائيل. كلّ ذلك، يُظهِّر إسرائيل وكأنها التزمت بالاتفاقيات والاستحقاق المطلوب منها، في حين يضيف لبِنة جديدة من لبنات تحويل القطاع إلى سجن كبير، يخوض من يعود إليه أو يخرج منه مغامرة غير معروفة العواقب.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رئيس لبنان: لا تراجع عن حصر السلاح بيد الدولة والانتخابات النيابية ستجري في موعدها المقرر في مايوونعمل لتحقيقهما “بعقلانية وواقعية ومسؤولية”

أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون، الثلاثاء، أن الحكومة لن تتراجع عن مسألة حصر السلاح بيد الدولة، مشيرا إلى أن الانتخابات النيابية ستجري في موعدها المقرر ...