علي عواد
بين وثائق إبستين ومراسلاته، تبرز روابط صادمة مع نشأة منصات اليمين المتطرف. هل كان إبستين وماكسويل مجرد فاسدَين، أم مهندسين لخطاب الكراهية الرقمي؟ من مراسلات 4chan إلى ظلال ماكسويل على Reddit، تتقاطع السلطة والمال والتكنولوجيا في لحظة مفصلية أعادت تشكيل السياسة والثقافة على الإنترنت
تُظهر مراسلات إبستين المنشورة ضمن وثائق رسمية تقاطعاً زمنياً ومباشراً مع نشوء مساحات رقمية لعبت دوراً محورياً في صعود اليمين المتطرف والعنصرية على الإنترنت الغربي.
منتدى 4chan حضن الكراهية
من بين آلاف رسائل البريد الإلكتروني التي نشرتها وزارة العدل الأميركية ضمن الوثائق المرتبطة بملف سيّئ الذِكر جيفري إبستين، كان لافتاً وجود مراسلات تعود إلى أواخر عام 2011 تتقاطع مع نشأة أحد أكثر مواقع الإنترنت تطرفاً وتأثيراً في العقدين الأخيرين: منتدى 4chan، المعروف بدوره المحوري في نشر خطاب الكراهية، وترويج نظريات المؤامرة، واحتضان التيارات الفاشية والانعزالية في الفضاء الرقمي الغربي.
تُظهر الرسائل المنشورة وجود تواصل مباشر بين إبستين وشخصيات لعبت أدواراً مفصلية في تشكّل هذا الفضاء الرقمي. في إحدى الرسائل، كتب مستثمر في مجال التكنولوجيا الحيوية، عمل مستشاراً تقنياً لبيل غيتس قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى منفّذ طلبات إبستين وجامع معلومات لحسابه، قائلاً لابستين إنه التقى شاباً يُدعى كريستوفر بوول، واصفاً إياه بأنه «أحد أفضل الهاكرز» الذين عرفهم، ومشيراً إلى أنه سيكون «صديقاً».
بعد ثلاثة أيام فقط من هذا اللقاء، أنشأ بوول صفحة النقاش الشهيرة /pol/ على 4chan، وهي المساحة التي تحوّلت لاحقاً إلى الحاضنة الأساسية للمحتوى العنصري والمعادي للمهاجرين والمحرّض على العنف، وقد صار الموقع مرادفاً له في الوعي العام. وبعد يوم واحد من إطلاق هذه الصفحة، التقى إبستين شخصياً ببوول، وكتب في رسالة لاحقة أنه «أُعجب به كثيراً»، حتى إنه أوصله بسيارته إلى منزله، في إشارة إلى حصول تقارب فكري بينهما.
ماكسويل على Reddit
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. بعد نحو ثلاثة أسابيع، بعث إبستين رسالة إلى مساعده ليسلي غروف، طلب فيها أن يُبلغ كريستوفر بوول بأن يُحضر «كل من يراه ذكياً»، في صيغة توحي بسعي منظّم إلى بناء شبكة علاقات، أو على الأقل استقطاب عقول شابة من الوسط التقني والرقمي، في مرحلة كانت فيها منصات الإنترنت البديلة تتشكّل خارج رقابة الإعلام التقليدي والمؤسسات السياسية.
مراسلات تكشف صلة إبستين بنشأة فضاء عنصري رقمي
في بُعدٍ آخر أكثر تعقيداً، تكشّف مسار رقمي مُقلق في قضية غيلاين ماكسويل، سليلة إمبراطورية الإعلام وابنة القطب الراحل روبرت ماكسويل. وفي حين تقبع شريكة جيفري إبستين حالياً خلف قضبان سجن فيدرالي في فلوريدا، لا يزال حضورها الرقمي موضع متابعة وتحليل مكثّفين. إذ تتجه أصابع الاتهام نحو إدارتها المباشرة لحساب maxwellhill على منصة ريديت Reddit، وهو أول حساب في تاريخ الموقع يكسر حاجز المليون نقطة تفاعل، متمتعاً بصلاحيات «مشرف نخبة» Power Moderator على أقسام أساسية، من بينها السياسة الدولية.
وقد اكتسبت هذه الفرضية زخماً كبيراً مع ظهور وثيقة مسرّبة جرى تداولها على نطاق واسع عبر الإنترنت، من ملفات الأدلة الجنائية الرقمية التي جمعها «مكتب التحقيقات الفيدرالي» FBI ضدها. وأظهرت الوثيقة، بحسب محللين، بيانات تربط بصمتها الإلكترونية باسم الحساب المذكور.
وتكتمل صورة اللغز عند النظر في السلوك الرقابي للحساب، الذي عُرف بممارسته سياسة «الحجب الانتقائي» وحذف أي محتوى يسيء إلى صورة إسرائيل أو يتعارض مع مصالحها الجيوسياسية. ويظلّ الدليل الظرفي الأقوى هو التزامن المريب، إذ توقّف الحساب الرقمي وصمت تماماً في اللحظة نفسها التي أطبقت فيها السلطات الفيدرالية القيد في معصم ماكسويل، ليتحوّل هذا التوقف إلى ما يشبه اعترافاً ضمنياً بهوية صاحبه.
لم تمر هذه المعلومات مرور الكرام، بل أثارت موجة من الأخذ والرد داخل أروقة منصة «ريديت»، حيث سادت حالة من الارتياب العام تجاه مصداقية المحتوى الذي يستهلكه الملايين. ذهب فريق من المحللين والمستخدمين إلى أبعد من الربط الظرفي، معتبرين أنّ هيمنة شخصية مثل ماكسويل على تدفّق المعلومات، تعني أن ما شاهده المستخدمون على المنصة كان جزءاً من عملية «هندسة اجتماعية» مُدبّرة بعناية منذ البداية.
وفي ظل هذا المناخ المشحون بالشكوك، اكتسبت نظرية المؤامرة الشهيرة «كيو أنون» Qanon أبعاداً جديدة وأكثر سوداوية. فهذه النظرية، التي تمدّدت على نطاق واسع داخل القواعد الشعبية للرئيس دونالد ترامب في الريف الأميركي، نشأت أساساً على فكرة وجود شبكة دولية سرّية من النخب السياسية والاقتصادية المتورطة في طقوس عربدة وإتجار بالبشر، وأن ترامب هو «المخلّص» القادم لتفكيكها.
تقاطع المال والسلطة والعالم الرقمي
إلا أن اكتشاف النفوذ الرقمي لماكسويل دفع بعضهم إلى طرح فرضية معاكسة: هل كان إبستين وماكسويل العقل المدبّر خلف «كيو أنون»، أو المتلاعبين بسرديتها؟
تشير هذه الفرضية إلى احتمال استخدام النظرية بشكل أداة تضليل نفسي؛ فعبر التحكم بالمنصات وإغراق الجمهور بنظريات مؤامرة مبالغ فيها، جرى خلط الأوراق وصرف الأنظار عن الجرائم الحقيقية التي تكشّفت بالفعل، ما يجعل «كيو أنون» أخطر لأنها وجّهت الأنظار بعيداً من الأشخاص الفعليين، ودفعتها نحو الحزب الديموقراطي لتقليل حظوظه الانتخابية.
تكشف هذه المراسلات والفضائح، مجتمعة، عن تقاطع مبكر بين المال والسلطة والعالم الرقمي في لحظة مفصلية من تاريخ الإنترنت. وهي تفتح أسئلة حول الدور غير المرئي الذي لعبته شبكات النخبة المالية والتكنولوجية في تمكين منصات تحوّلت لاحقاً إلى أدوات تعبئة سياسية وثقافية.
أمام هذه المعطيات، صار من السطحي الحديث عن جزيرة إبستين باعتبارها مرتعاً للعربدة والانحلال الأخلاقي. هذا ليس سوى قسم الترفيه. ومن شاهد مقابلة ستيف بانون، المستشار السابق لدونالد ترامب، مع جيفري إبستين التي انتشرت أخيراً، تتضح له أنّ ما كان يجري هناك هو محاولة لبناء شبكة دولية تضمّ نخبة النخب: علماء وباحثون، وساسة وقادة دول، ومبرمجون ومهندسون.
هذه الجزيرة المشؤومة لم يعد ممكناً النظر إليها إلا باعتبارها مركزاً أو قطباً سعى إلى التأثير في مسارات شتى، من السياسة الدولية إلى العالم الرقمي، وصولاً إلى مختلف الحقول العلمية. يبقى أن تكشف التحقيقات لمصلحة من كان يجري كل ذلك، علماً أنّ الناس يعرفون الإجابة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
