آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » وميض الكلمات في “ثلاثيّة عشق”

وميض الكلمات في “ثلاثيّة عشق”

 

يوسف طراد

 

 

استقت عبير عربيد من الزمن عطر الإيمان، فزادت رونق العشق الإلهيّ. وأذابت وميض الكلمات في حبرها، لينفلش ضياءً على صفحات كتابها “ثلاثيّة عشق”، الصادر ضمن منشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء”.

 

لم تستطع عبير تدوير زوايا المثلّثات، فأحاطتها بدوائر ودوائر، وجعلتها تدور في عوالم الفلسفة. فقد ضمّ الجزء الأوّل من الكتاب قراءات روحانيّة لخواطر أدباء وفلاسفة: شمس الدين التبريزي، الحلّاج، جلال الدين الرومي، كمال جنبلاط، الأب يوسف يمّين، نازك أبو علوان عابد، محمود درويش، سامي نسيم مكارم وأبو القاسم القشيري. فمقابل كل نص مختار من أقوال هؤلاء، قراءة موضوعيّة روحانيّة، تلتها خواطر شعريّة، سمت خلالها المعاني عندما أنسنت العربيديّة العلاقة بين الإله والإنسان، وعملقتها بين الإنسان والإله.

 

لم تتخطّ ثلاثيّة المبنى روح المعنى، وغدا البوح شوقاً إلى اكتناه متون العشق الإلهي. فكان كلّ مقال من هذا الجزء مثلّث بوح محاطاً بدائرة، ودارت الدوائر بحبور ك”خذروف الوليد”، وأصبحت المعاني مسرى الحبّ في وصال الطهر الإنساني، وومضة صدق في قداسة المعنى.

 

ضمّت توطئة الكتاب بقلم عبير عربيد، خارطة طريق إلى معرفة الذات التي هي أوّل خطوة نحو اليقين. فقد حاولت الكاتبة خلال الصفحات، تحرير الأنا من أسوار التيه في حيرتها اليوميّة، لتدمجها مع الإدراك المعبّر عن الحقيقة التي نبحث عنها، بعيداً عن إرهاصات قلق الكينونة، عندما تفضحها غشاوة الشكّ. فلم تأتِ نصوصها كمخاض عسير في خاصرة الزمن، لأنّها استنهضت ذواتنا بأفكار متحررة من قيود المادة الزائلة: “وهكذا يحمل قلبي يراعاً ليخطّ أمامكم بعض الأقوال في معرفة الذّات وقدرة دمجها مع الذات الإلهيّة العليا.” (صفحة13)

 

ثلاثية الكتاب الباهرة، ظهرت باندماج الجزء الأوّل الذي تكلّمنا عنه بجزءين، ضمّ أحدُهما قصائد روحانيّة، وصلح أن يكون ديواناً منفرداً، مع أنّ هذه القصائد تتماهى مع هدف الكتاب في الولوج إلى المادة الأثيرية، حيث لا مكان لأحزان نرثها في جيناتنا البائدة. أمّا الجزء الثالث والأخير فقد ضمّ ومضات وخواطر تتآلف ولا تتنازع.

 

حاولت عبير عبور مسالك الفخر نحو عظيم الدرجات، كفخر رجالات أزمنة الغار. فوجدت في سُرى الأرواح، سجوداً في رحم الأرض، مع زيتونة حالمة بعطاءٍ ربانيٍّ. فكان سُكنى العشق، هدى السلام. وشرط الفخر، الإصغاء لكلمات الخالق: “انتَقِ باقة كلماتك/ من معاجم الأمل/ أنعشها بعبير المحبّة/ جمّلها بأغصان الزيتون/ كلّلها/ بأكاليل من الغار/ اجعلها راية انتصار/ رُشَّ عليها عطر حنانيْك…” (صفحة 49)

 

طمحت عبير عربيد إلى الاندماج مع الأولوهيّة، بكسوة الأنوار وهداية الإستبصار، فكان زكي يراعتها عسجد لؤلؤ عند تبر الفضاء، تستقي ماء العشق الإلهيّ في أفئدة كطيب الألوان: “تمازجت الألوان بالأنوار/ تربّعت على قوس قزحها/ واستيقظت هناك…” (صفحة 98)

 

وأنت تقرأ الكتاب، تخال نفسك تنظر بمنظار موشوريّ ثلاثيّ الأبعاد، يحدّد الرؤيا والزمان والمسير. وتُقفل الكتاب فيتراءى لك عناق بين دفتيّ الغلاف، وقد ذابتا عشقاً من بوح الصفحات.

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من حكواتي الأطفال إلى “هولوغرام” المتنبي.. معرض الكتاب يكتب فصلاً جديداً للثقافة السورية

سعاد زاهر يشكّل معرض دمشق الدولي للكتاب، كأول معرض للكتاب بعد تحرير سوريا، والذي سينطلق في 6 من شباط 2026، محاولة طموحة لنسيج خريطة ثقافية ...