آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » أمين الزاوي يكتب عن جرح عائلي عميق في “منام القيلولة”

أمين الزاوي يكتب عن جرح عائلي عميق في “منام القيلولة”

 

سارة النمس

 

يُعَدّ أمين الزاوي من أبرز الأسماءِ في المشهدِ الثقافي الجزائري، فإلى جانبِ كونهِ روائياً، يحضرُ اسمهُ في مجالاتِ الإعلامِ والنقد والبحثِ الأكاديميِ، وقد نُشِر لهُ ستّة عشر عملاً روائياً مكتوباً باللغتين العربيةِ والفرنسية. إذ بدأ كتابةَ الرواية في عام 1982 بعملِ “صهيل الجسد” واستمّر وصولاً إلى أحدثِ أعمالهِ الصادر عن دار العين: “منام القيلولة”، والمرشّح ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية.

 

ولعلّ التحديّ الأكبر الذي يواجهُ أيّ كاتب هو تجديدُ موضوعاتهِ وحتى نفَسُ أسلوبهِ في الكتابة، وهو ما يميّز روايةَ منامِ القيلولة. واهتماماَ من النهارِ العربي بهذا العمل، حاورنا أمين الزاوي عن ظروفِ الكتابةِ وخياراتها، ولا سيّما أنّ الرواية تناقشُ ثيمات حسّاسة تواجه أثرَ العنفِ التاريخي وما يترتّبُ عنه من انهيار في الحياةِ النفسية للأفرادِ وعائلاتٍ كاملة.

 

هذهِ الرواية هي جرحٌ عائلي عميق

يتحدّث أمين الزاوي عن هذهِ الرواية بوصفها “جرحاً عائلياً عميقاً” يحملهُ منذ الصغر، إذ سمعَ عن شخصٍ اتهم بالخيانةِ أيام الثورة ولكنّ السرّ الذي تكتّمَ عليهِ الكبار تمثّل في مكيدةٍ رتّبها شخصٌ آخر، نهشتهُ الغيرة المتوحشة من الأوّل لأنّه خطفَ منه أجمل امرأةٍ في القريةِ. وتؤكّدُ هذهِ الحكاية على أنّ الثورة الجزائرية العظيمة قامت على أكتافِ أشخاصٍ معرّضين للخطأ وأنّهم لم يكونوا ملائكة، والتاريخ العظيم، من وجهةِ نظرهِ، يصنعه البشر بزلاّتهم الصغيرة والكبيرة. ظلّ هذا المشروع الروائي مؤجّلاً، ولم يبدأ كتابته إلاّ يوم وصلهُ خبر موت أرملة الشهيد، المعروفة في الرواية باسم: “مسعودة القارح”.

 

 

 

تلمسان صنعت حساسيتي الجمالية والفنية

في بدايةِ الرواية، يصف أمين بيتاً تلمسانياً أصيلاً، مبنياً بقطع الزليج الأندلسي، كما يستحضر أفرشة ثقيلة ملوّنة كانت الجزائريات يغزلنها لتدفئة عائلاتهن قبل ترفِ غاز المدينةِ في البيوت. تساءلنا عن إلى أيّ حدِ ألهمته نشأته التلمسانية في كتابةِ هذهِ الرواية فقال إنّه كروائي ابن بيئته، وإنّنا حين نواجه بياض الورق نجده فجأة يتحول إلى أشياء وأماكن بتفاصيل دقيقة، الروائي هو من يعرفُ كيفَ يرى، والعين حاسة ضرورية في الكتابة الروائية. يستعيد أمين طفولته ومراهقته في تلمسان بحب وعنفوان، متوقفاً عند دور المدينة في تشكيل حساسيته الفنية والجمالية بشكل عضوي ومخيالي بما فيها من عمران عريق وموسيقى ولباس ولغة تلمسانية رقيقة ونساء جميلات وأصوات مناول النسيج تسمع في الأزقة. فتلمسان مدينة تقوم على إرث وذاكرة ثقافية وأدبية وفنية وحضارية وعمرانية استثنائية، مدينة سيدي بومدين ولالة ستي وابن مسايب والشيخ العربي بن صاري ورضوان بن ساري وعبد الكريم دالي ومحمد ديب. ويرى أنّ من عاش في هذهِ المدينةِ بين الموسيقى والشعر الأندلسي سيكبر ويسافر شرقاً وغرباً ولكنّه حين يكتب سيسمع صوت المدينة في أذنه وفي كلماته.

 

اللاوعي هو طاقة الكتابة الصادقة

في “منامِ القيلولةِ”، تتقاطعُ غرائبية الواقعية السحرية مع الجنون والمرض النفسي، وعندَ سؤالنا للكاتب عن مدى اهتمامه بمدرسةِ الواقعية السحرية، أشار إلى اهتمامه الكبير بظاهرةِ الجنون، مستعيداً كيفَ كان يتابعُ في طفولتهِ مجنوناً يدعى “حمّو”، محاولاً تقليدَ كلامه وحركاته، إعجاباً منه بتصرفاته التي لا تعير محيطه أيّ اهتمام. كان حمّو ينهضُ في الصباح الباكر ليقضي سحابة يومه عابراً للساحة الرئيسية وسط المدينةِ ذهاباً وإياباً في حوار مستمر مع نفسه حتى مغيب الشمس. وكان أمين يذهبُ إلى هذه الساحةِ خصّيصاً لمشاهدتهِ، وحين مات حزنَ عليه وانقطعَ عن زيارةِ الساحة. وعلى المستوى الروائي، يؤمن الزاوي أنّ هنالك تلاق ما بين العبقرية والجنون، وأنّ الواقعية السحرية تتحقق لحظة انزلاق الكاتب إلى منطقة الجنون أو اللاوعي، فاللاوعي هو طاقة الكتابة الصادقة.

 

 

أمّا تقنيةُ تعدّدِ الأصوات، فتظهر في الروايةِ بأسلوبٍ جديد ولافت، إذ يبدأ السرد في عددٍ من الفصول براوٍ عليم، ثم يتدّخل الصوتُ في مرحلة غير متوقعة، ليروي بضمير المتكلم موقفه من الحدث. ما يبعث على التساؤل إن كانت هذه التقنية موظفة بصورةٍ عفوية أم أنّه كان خياراً سردياً مخطّطاً له. يشرح الروائي أنّه في لحظة الكتابة الروائية، يعيش ما يشبه حالةً ثانية Un état second ، وأنّ الأمر لم يكن نتيجة تخطيط مسبق، فالكتابة كما يفهمها ليست عملية تفصيل ثوب على قياس جسد موجود بمعايير محددة، ويشبّه مسار الكتابة بسير القط في خط غير مستقيم، كما عبّر عن ذلك كاتب ياسين، فكلما كانت الكتابة عفوية كانت صادقة وقريبة من هدفها ومن قارئها ومن فنياتها.

 

أثرُ عنفِ الثورةِ والعشرية السوداء

تكشفُ رواية منام القيلولة عن أثر العنفِ في تشكيل الوعي الجماعي وما نتج عنه من اضطراباتٍ عصابية ونفسية. فنجد عائلة كاملة تصابُ بالجنون بشكلٍ أو بآخر، ويحتجز معظم أفرادها في مصحةِ الأمراض العقلية. في هذا السياق، سألنا الزاوي عن حدثِ إدخال الأم إلى المصحة، ما إذا كان مبرّراً قياساً باضطرابِ ابنيها؟ فأوضح أنّنا نحصي عدد الشهداءِ والمفقودين والمعطوبين في أجسادهم لكننا ننسى من يصابون بالانهيارات العصبية المختلفة مثل التروما وأمراض نفسية أخرى كثيرة بعضها صامت وبعضها مستتر وبعضها ظاهر، وهؤلاء الضحايا يمثلون الفئة الكبرى من الشعب الذي خاض مثل هذه المآسي الإنسانية والتاريخية. ويضيف بأنّه في منام القيلولة لم يكن هدفه كتابة ثورة التحرير من مدخل “الدم” بل أراد كتابة ما هو أعمق: “كيف ينزف الإنسان بطريقة أخرى كما حدث مع شخصيات “منام القيلولة”، أي جراء هذه الانهيارات العصبية، وكيف يعبر المشهد عن إدانة الاستعمار وإدانة للحروب بمقاربة أكثر فصاحة في كشف “جماليات الشر”، فنهاية الحروب لا تحتاج إلى مستشفيات عضوية فقط بل أيضا إلى مصحات نفسية وعصبية. ويبيّن الزاوي أنّه حاول من خلال أسرة كاملة تعيش مأساة الحرب في صمت مرعب، تقديم صورة لا يمكن فهمها إلا من خلال لقطة لطفل يشاهد من سريره منظراً دموياً تقوم به أمه بكل شجاعة لحماية شرفها وشرف الثورة على حد سواء، وسيكون هذا المنظر المرعب إيذاناً بانهيار نفسي صامت، وسقوط الطفولة في هاوية التروما المزمنة.

 

أمّا عن شخصية الأم، فيفسّرُ أمين أنّها لا تفرق بين ابنٍ مريضٍ عصبياً وآخر، فطفلها هو فلذة كبدها مهما كانت وضعيته. وفي الرواية فالبحث المستمر عن ابنها المريض نفسيا الذي ضاع مع أمل أن تجده وقد استعاد عقله هو بحث عن أمل في أن ترى البلاد بعد الثورة قد تعافت من صراعات الإخوة المدفوعين بجنون السلطة.

التشابك بين الواقع والتخييل

يذكرُ أمين الزاوي مخبزة قديمة ومعروفة في وهران باسم l’Algéroise، حيث سرد قصة انتقال ملكيتها من سيّدة فرنسية إلى شاب جزائري يدعى الرومي، بعد قصة حب جمعت بينهما ومشاهد حميمية دارت في الطابق السفلي. هذا التشابك بين الواقع والتخييل مقروناً بذكر اسم مكان معروف قد يدفع القارئ إلى تصديق أنّ المالك الأوّل قد عاش هذه القصة فعلاً، ما قد يطرح السؤال حول إن كانت الحكاية مستندة إلى أحداث حقيقية ورواها بإذنٍ منه.

 

يؤكّد أمين أنّ قصة الحب هي خيالية بالمطلق، ولكنّه واثق من أنّ شيئاً ما وقع في هذه الأماكن الجميلة، إذ يتساءل كلما مرّ أمام هذه المخبزة العريقة التي ظلت علامة من علامات المدينة أنّ هذا المكان الذي تعبق منه رائحة الخبز الطازج الفوار لا يمكنه إلا أن يخفي في أركانه وفي أيامه الخوالي قصص حب، وهو ما تخيّله من خلال علاقة صاحبة المخبزة الأوروبية بالعامل البسيط الذي تنازلت له عنها عشية الاستقلال. ويرى الزاوي أنّ الخيال الروائي هو إعادة تركيب الواقع بشكل آخر، أي كما نريده أو نحلم به أو نرفضه. فالأماكن في نظره لها أرواح، والروائي هو الذي يستطيع أن يكلم تلك الأرواح التي مرت بمثل هذه الأمكنة التي تمثل شيئا حساسا في حياتنا اليومية.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من حكواتي الأطفال إلى “هولوغرام” المتنبي.. معرض الكتاب يكتب فصلاً جديداً للثقافة السورية

سعاد زاهر يشكّل معرض دمشق الدولي للكتاب، كأول معرض للكتاب بعد تحرير سوريا، والذي سينطلق في 6 من شباط 2026، محاولة طموحة لنسيج خريطة ثقافية ...