مع دخول الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عامها الثاني، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديا متزايدا لدوره ومكانته في النظام الدولي.
هذا التحدي برز في ظل تحولات عميقة تشهدها السياسة الخارجية الأمريكية أعادت رسم خريطة الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، ودفعت أوروبا إلى موقع هامشي في عدد من الملفات الدولية التي تمس أمنها ومصالحها المباشرة.
فمن أوكرانيا إلى غرينلاند، وصولًا إلى مبادرة “مجلس السلام” المتعلقة بقطاع غزة، تتكرر المؤشرات على تراجع القدرة الأوروبية على التأثير في مسارات الأزمات العالمية.
في وقت باتت فيه القرارات الكبرى تُتخذ في دوائر ضيقة تقودها الولايات المتحدة، مع حضور أوروبي محدود أو رمزي في أحسن الأحوال.
** تحوّل البوصلة الأمريكية
إدارة ترامب أعادت في ولايتها الثانية توجيه بوصلة السياسة الخارجية بشكل واضح نحو منطقة آسيا–المحيط الهادئ، حيث باتت المنافسة مع الصين العنوان الأبرز للاستراتيجية الأمريكية.
نتيجة لذلك، تراجعت أوروبا في سلم الأولويات، بعدما كانت شريكًا محوريًا لواشنطن في إدارة الأزمات الدولية خلال العقود الماضية.
هذا التحول لم يظل في إطار التصريحات، بل انعكس عمليًا على آليات صنع القرار، إذ أصبحت العواصم الأوروبية أقل حضورًا على طاولات التفاوض التي ترسم ملامح الحلول للأزمات الكبرى، رغم ما تتحمله من أعباء سياسية واقتصادية وأمنية.
** أوكرانيا.. دعم مكلف
وشكّلت الحرب في أوكرانيا المثال الأوضح على هذا الخلل، فمنذ اندلاعها كانت الدول الأوروبية في طليعة الداعمين لكييف سياسيًا وعسكريًا وماليًا، كما تحمّلت الجزء الأكبر من تداعياتها الاقتصادية، من أزمة الطاقة إلى التضخم.
ورغم ذلك، بقيت أوروبا خارج المسارات التفاوضية الأساسية المتعلقة بمستقبل الحرب، والتي تشكّلت إلى حد كبير برعاية أمريكية.
ورغم تكرار الرسائل الأوروبية التي تؤكد أن “مصير أوكرانيا لا يمكن تقريره من دون أوروبا”، فإن واقع المفاوضات أظهر عكس ذلك.
هذا التناقض بين حجم التأثير المفترض والدور الفعلي عزّز داخل الاتحاد الأوروبي شعورًا متناميًا بأزمة تمثيل ومصداقية، وطرح تساؤلات حول قدرة بروكسل على ترجمة ثقلها الاقتصادي والسياسي إلى نفوذ حقيقي.
** غرينلاند وحدود النفوذ الأوروبي
أما التوتر المتعلق بجزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، فقد نقل هذا الإحساس بالعجز إلى مستوى أكثر حساسية.
فالتصريحات والضغوط التي مارسها ترامب بشأن الجزيرة كشفت محدودية قدرة أوروبا على حماية مجالها السيادي حتى داخل جغرافيتها المباشرة.
أن يُطرح مصير منطقة أوروبية ضمن خطاب أمريكي يتحدث عن الحماية أو السيطرة، شكّل بالنسبة لكثيرين في أوروبا مؤشرًا على تراجع الوزن السياسي للقارة، وتحولها من شريك استراتيجي إلى طرف ثانوي في حسابات واشنطن.
وتتمع غرينلاند بحكم ذاتي، وهي أكبر جزيرة في العالم، ولها موقع مركزي في القطب المتجمد الشمالي، الذي يكتسب أهمية متزايدة نظرا لذوبان الجليد بسبب أزمة المناخ وفتح طرق تجارية جديدة.
وأطلق ترامب في أوقات سابقة دعوات متكررة لضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، لكن هذه التصريحات قوبلت بغضب واسع داخل الدنمارك والجزيرة.
** غزة و”مجلس السلام”
وفي هذا السياق المعقّد، جاءت مبادرة مجلس السلام التي أُطلقت في إطار المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، برئاسة ترامب، لتضيف فصلًا جديدًا إلى أزمة الدور الأوروبي.
ورغم توجيه دعوة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للمشاركة في المجلس، فإنها لم تقدّم حتى الآن ردًا واضحًا، فيما اختارت دولتان فقط من الاتحاد الأوروبي، هما المجر وبلغاريا، الانضمام إلى المبادرة.
هذا التطور وضع الاتحاد الأوروبي أمام معضلة جديدة، فبعد فشله في بلورة موقف موحّد وقوي تجاه الحرب على غزة، وما رافق ذلك من اتهامات بازدواجية المعايير والتواطؤ، يسعى اليوم إلى لعب دور فاعل في مسار السلام، لكنه يواجه خطر التهميش مرة أخرى.
وبالنسبة لبروكسل، لا تتعلق المسألة بغزة وحدها، بل بقدرتها على الظهور كفاعل دولي قادر على التأثير، في لحظة يشهد فيها النظام العالمي إعادة تشكيل عميقة لقواعده.
و”مجلس السلام” واحد من أربعة هياكل خُصصت لإدارة المرحلة الانتقالية بغزة، إضافة إلى “اللجنة الوطنية”، و”مجلس غزة التنفيذي”، و”قوة الاستقرار الدولية”، بحسب خطة ترامب بشأن غزة.
وفي 15 يناير/ كانون الثاني الماضي أعلن ترامب تأسيس المجلس، وبعد أسبوع تم توقيع ميثاقه، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.
** صراع نفوذ خلف الكواليس
وفي هذا الإطار، ترى الباحثة في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، ومقره باريس، كاتارزينا سيدلو، أن توقيت إطلاق “مجلس السلام” ليس معزولًا عن التطورات السياسية التي تشهدها الساحة العالمية.
وتقول سيدلو في حديث للأناضول، إن القرار جاء في وقت كانت فيه أوروبا منشغلة بمفاوضات مكثفة مع الولايات المتحدة حول غرينلاند، معتبرة أن ما يجري “يشبه، إلى حد ما، صراع نفوذ”.
وتوضح أن أوروبا قد تكون على الورق جزءًا من الاتفاقات، لكنها عمليًا تجد نفسها أمام قرارات تُتخذ من دونها، ما يحدّ من قدرتها على التأثير، سواء كانت ممثَّلة رسميًا في هذه الآليات أم لا.
وترى سيدلو أن تعزيز التنسيق الأوروبي مع قوى إقليمية فاعلة، مثل تركيا ومصر ودول الخليج، قد يمنح الاتحاد الأوروبي هامشًا أوسع للتحرك وتحقيق نتائج أكثر توازنًا.
وفي المحصلة، تكشف التطورات المتسارعة في عهد ترامب الثاني عن مأزق أوروبي يتجاوز ملفًا بعينه، ليطال جوهر الدور الذي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى لعبه في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير متوازنة.
وبين الاكتفاء بدور المموّل أو المراقب، والسعي إلى استعادة موقع فاعل على طاولات القرار، يقف الاتحاد الأوروبي أمام لحظة حاسمة ستحدد ما إذا كان قادرًا على تحويل ثقله إلى نفوذ، أم أنه سيبقى لاعبًا متأثرًا أكثر مما هو مؤثّر.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
