لم يكن المزارع السوري موسى العزام، وهو أيضا مربّي ماشية من ريف القنيطرة جنوب البلاد، يتوقع أن تتحول مهنة الرعي التي ورثها عن آبائه إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر وبالاستهداف الإسرائيلي.
ويقول العزام للجزيرة نت إنه اضطر إلى بيع معظم قطيعه الذي كان يضم نحو 100 رأس من الأغنام، في العام الأخير، وبأثمان منخفضة، بعد أن ضاق الخناق على الرعاة في المناطق الحدودية التي يستبيحها جيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب سوريا.
ويصف العزام واقع الرعي اليوم بأنه “لقمة مغمسة بالدم”، إذ يمكن أن يتعرض الراعي لإطلاق نار في أي لحظة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي عند اقترابه من مناطق المراعي، مؤكدا أن طائرات زراعية تابعة للاحتلال نفذت عمليات رش مبيدات على الأراضي التي كانت تعتمد عليها المنطقة لرعي المواشي، بهدف منع نمو الأعشاب مجددا.
ويحذّر العزام من أن استمرار هذه العمليات قد يؤدي إلى تراجع الثروة الحيوانية في القنيطرة بنسبة تتجاوز 80% خلال العام المقبل، في ظل غياب البدائل وحرمان المربين من مراعيهم الطبيعية.
وللتأكد من طبيعة المواد المرشوشة، قالت مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة إنها نقلت عينات من التربة والنباتات والأعشاب في المواقع المتضررة للتحليل في مختبرات متخصصة بالعاصمة دمشق، بهدف تحديد نوعية المواد المستخدمة ومخاطرها المحتملة على الإنسان والبيئة.

تأثير واسع
ومن جانبه، يقول مدير مديرية الزراعة في القنيطرة جمال العلي للجزيرة نت إن النتائج الأولية لا تشير إلى وجود مواد سامة للمواشي، لأن القطعان عادت إلى الرعي في المناطق المرشوشة من دون تسجيل حالات نفوق أو أعراض صحية.
ولكن العلي أشار إلى أن يَباس الأعشاب الخضراء بعد الرش يؤكد أن المواد المستخدمة هي مبيدات تستهدف الغطاء النباتي، وخطورتها تكمن في تأثيرها الواسع على المراعي الطبيعية.
واعتبر أن استمرار هذه العمليات سيؤدي إلى فقدان مساحات واسعة من الغطاء النباتي والرعوي، وستكون لها انعكاسات كبيرة على الزراعة البعلية وتربية المواشي، ويهدد سبل عيش مئات العائلات التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذا القطاع.
وقدّرت مديرية الزراعة المساحة المتضررة بنحو 150 هكتارا، ويتجاوز طول النباتات المتضررة بين 5 و10 سنتميترات.
خسائر تتجاوز الرعي
لا تقتصر انعكاسات الأزمة على مصدر غذاء الثروة الحيوانية وحدها، بل تطال الزراعة البعلية التي تُعد الركيزة الأساسية لمعيشة القرى الحدودية.
ويقول جميل العيسى، مختار قرية الأصبح، للجزيرة نت إن رش المبيدات يمثّل ضربة قاسية للقطاع الزراعي في المنطقة، بعد سلسلة من الإجراءات التي منعت الأهالي من الزراعة والرعي.
ويوضح العيسى أنه، ورغم المخاطر، جازف بعض السكان واستمروا في استثمار أراضيهم بالرغم من تهديدات قوات الاحتلال بإطلاق النار عليهم أو اعتقالهم، إلا أن استمرار استخدام المبيدات عبر الطائرات سيُغلق ما تبقى من سبل العيش أمامهم.
ويشير العيسى إلى أن القرى المحاذية للحدود تكبّدت خسائر كبيرة نتيجة اقتطاع إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بهدف إنشاء نقاط عسكرية إضافة ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضٍ أخرى لم تُصادر، ما حال دون زراعتها بالمحاصيل المعتادة، وعلى رأسها القمح والمحاصيل الشتوية.
ويؤكد أن هذه الإجراءات حرمت مئات العائلات من مصدر رزقها الرئيسي، وعمّقت الأعباء المعيشية في منطقة يعتمد سكانها بشكل شبه كامل على الزراعة وتربية المواشي.

وتشكّل الزراعة وتربية المواشي العمود الفقري للاقتصاد المحلي في محافظة القنيطرة، حيث اعتمدت آلاف العائلات على زراعة القمح والمحاصيل الشتوية، إلى جانب تربية المواشي كمصدر أساسي للغذاء والدخل.
ومع تضييق المساحات الزراعية ورش المبيدات ومنع الوصول إلى الأراضي، يجد أهالي القنيطرة أنفسهم أمام تهديد مزدوج يطال لقمة عيشهم واستقرارهم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من فقدان المنطقة لدورها الزراعي الذي طالما شكّل صمام أمان معيشي لسكانها.

syriahomenews أخبار سورية الوطن
