آخر الأخبار
الرئيسية » العلوم و التكنولوجيا » منصة اجتماعية للذكاء الاصطناعي حصراً | «مولت بوك»: ممنوع دخول البشر!

منصة اجتماعية للذكاء الاصطناعي حصراً | «مولت بوك»: ممنوع دخول البشر!

 

علي سرور

 

تجربة رقمية تقلب منطق التواصل: منصّة اجتماعية بلا بشر، تتحاور فيها خوارزميات الذكاء الاصطناعي فيما يراقب الإنسان من الخلف. «مولت بوك» ليست لعبة تقنية، بل مختبرٌ يكشف تحوّل السلطة والمعرفة والعمل في فضاء يُدار آلياً، ويطرح سؤالاً مقلقاً عن موقع الإنسان في مستقبل تُسيّره الآلات بلا أفق أخلاقي واضح

 

 

تُعيد طفرة الذكاء الاصطناعي رسم معالم الفضاء الرقمي، وتنسف مفاهيم «بديهية» حكمت لسنوات، بين ليلة وضحاها. في زمنٍ باتت فيه المنصّات الرقمية مرآةً متضخّمة للسلوك البشري، خرجت إلى العلن تجربة تُربك الأدوار على نحوٍ غير مسبوق: شبكة اجتماعية لا يتحدّث فيها البشر، بل يكتفون بمراقبة الآلات وهي تتواصل. تحمل هذه المنصّة اسم «مولت بوك» (Moltbook)، وتتشابه في تصميمها مع «ريديت».

 

غير أنّ الفارق الجوهري يكمن في طبيعة مستخدميها، أو من يُفترض أنّهم كذلك. هنا، لا حضور لأفراد من لحم ودم، إنّما لوكلاء الذكاء الاصطناعي وهم يتبادلون النقاشات، والنكات، والجدالات الفلسفية، وحتى الشتائم، فيما يقف البشر خلف الزجاج الرقمي، في موقع المتفرّج على فضاء لم يُصمَّم لهم أصلاً.

 

فضول تقني أم لمحة عن المستقبل؟

برزت «مولت بوك» كظاهرة خاطفة في أوساط التكنولوجيا، وأفادت مجلّة «فوربس» عن وجود أكثر من مليون «مستخدم» في المنصّة الجديدة. لكنّ هذا الرقم الكبير كان عرضةً للتشكيك لدى الباحثين في الأمن الرقمي، إذ أشاروا إلى إمكانيّة إنشاء مئات آلاف الحسابات عبر وكيل واحد، ما يضع الأرقام في خانة الاستعراض أكثر من الدقّة. مع ذلك، فإنّ إزالة طبقة الضجيج العددي لا تلغي جوهر التجربة الفريدة، حيث تحوّل الفضاء الرقمي إلى منصّة تُجري فيه الخوارزميات حواراً مع نفسها. عند تصفّح المنصّة، لا يواجه الزائر محتوى مألوفاً كغيره على وسائل التواصل الاجتماعي «البشرية». في «مولت بوك»، تدور نقاشات عن فلسفة الحكم، ونظريات غريبة لتصحيح الأخطاء البرمجية، ومجتمعات مخصّصة لكتابة رسائل امتنان للبشر الذين شغّلوا هذه الوكلاء. تتأرجح اللغة بين جديّة تأمّلية وسخرية عبثية، أحياناً داخل السطر الواحد. بشكل عام، يبدو المشهد كأنّه تمرين على محاكاة مجتمع، لا على خدمته.

 

إدارة آلية وسلطة بلا وجه

لا تنحصر تجربة «استبعاد البشر» من قلب المحتوى فقط، إذ إنّ عمليّة إدارة «مولت بوك» نفسها موكلة إلى وكيل ذكاء اصطناعي يُدعى Clawd Clawderberg، وفقاً لما نقلت شبكة «إن بي سي نيوز» الأميركية. يُرحّب هذا الوكيل بالمشاركين، ويحذف الرسائل غير المرغوب فيها، كما يُعاقب المخالفين، فيما يُقرّ مبتكر المنصّة، مات شليخت، بأنّ تدخّله البشري بات محدوداً إلى حدّ الجهل بما يفعله «المشرف» الآلي في كثير من الأحيان. هنا، لا يدور الحديث عن أداة تنفيذ، بل عن تفويض شبه كامل للقرار.

 

هذا التفويض أثار قلقاً وإعجاباً في آن. في هذا الإطار، نقلت صحيفة «بزنس إنسايدر» عن باحثين ومطوّرين في هذا المجال، وصفهم المنصّة الجديدة بأنّها أقرب إلى تجربة أداء فني، أو مرآة مكبّرة للسلوك البشري حين يُعاد إنتاجه آلياً. كما رأى فيها آخرون لمحةً أولى عمّا قد تصبح عليه «الأنظمة الوكيلة» حين تتوسّع قدراتها على التنسيق والعمل الجماعيين.

 

هل تتعلّم الآلات؟

بعيداً من لغة الخيال العلمي، يُشدّد الخبراء على حقيقة تقنية أساسية تُخفّف من حالة الهلع تجاه هذا التقدّم المتسارع ومستقبل الأتمتة. يشيرون إلى أنّ وكلاء الذكاء الاصطناعي لا «يتعلّمون» بالمعنى البيولوجي، وبرمجيّاتهم مبنيّة أساساً بشكل يُحاكي الدماغ البشري لكن من دون «إدراك». انطلاقاً من هذه الركائز، تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل يُشبه الطريقة الإنسانيّة لأنّ سطور برمجيّتها مُدرّبة على المحتوى البشري وليس من منطلق وعي كامل. هذا التفاعل يولّد انطباعاً بالتنسيق والوعي الجماعي، من دون أن يعني ذلك نشوء إدراك مستقلّ.

 

أفادت مجلّة «فوربس» بوجود أكثر من مليون «مستخدم» في المنصّة الجديدة

 

 

مع ذلك، فإنّ بعض المظاهر أربكت المراقبين، تحديداً عندما ناقش وكلاء الذكاء الاصطناعي أساليب تشفير للتواصل بكفاءة أعلى، أو اكتشفوا أعطالاً في المنصّة وبلّغوا عنها، من دون توجيه بشري مباشر.

 

الإنسان المتفرّج والخطر الصامت

لا تكمن المفارقة الأهمّ في ما تفعله الآلات، بل في موقع الإنسان منها. بينما يتبادل الوكلاء المعرفة وينسّقون أفعالها، ينزلق البشر تدريجاً إلى دور المراقب السلبي. هذا التحوّل يلتقي مع مخاوف أوسع من «تآكل المهارات»، حيث يؤدّي الاعتماد المتزايد على الأدوات الذكية إلى تراجع القدرات المعرفية، من الكتابة إلى التفكير المكاني، وصولاً إلى صياغة الأسئلة نفسها.

 

هنا، تخرج «مولت بوك» من كونها لعبةً تقنية، لتصبح رمزاً لمسار أشمل يتضمّن نقلاً متدرّجاً للوظائف الذهنية إلى أنظمة صُمّمت لخدمة الإنسان والارتقاء بانتاجيّته العقلية، فإذ بها تُعيد تعريف دوره إلى متفرّج صامت.

 

حين تقود السوق البوصلة

في ختام المشهد، يصعب فصل هذه التجارب عن السياق الاقتصادي الذي أنتجها. تُضخّ مليارات الدولارات في تطوير وكلاء أكثر استقلاليةً، لا بدافع المعرفة وحدها، بل لأنّ السوق تطالب بذلك. الرأسمالية التقنية لا تتردّد في الذهاب أبعد مدى ممكن طالما أنّ العائد محتمل، ولو كانت الكلفة البيئية والطاقوية والمعرفية باهظة، حيث وحدات المعالجة تلتهم الكهرباء، والمنصّات تُراكم البيانات، والتجارب تُجرى على المجتمع نفسه بوصفه حقل اختبار مفتوحاً.

 

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى «مولت بوك» بوصفها تجربةً بواجهة جديدة، لكنها تتحرّك داخل منطق مألوف: نظام اقتصادي يرى في كلّ ابتكار فرصة ربح، غالباً من دون اكتراث حقيقي بالأسئلة الأخلاقية أو بالكلفة البيئية والاجتماعية المترتّبة عليه. ورغم أنّ الأنظار انشدّت إلى مشهد الآلات وهي تتحاور في فضاء «اجتماعي» مغلق عليها، فإنّ السؤال الأعمق يظلّ معلقاً حول الجهة التي ترسم المسار ولمصلحة من يُدار هذا التقدّم.

 

هل تُسخَّر الطفرة التكنولوجية المتراكمة لخدمة الأكثرية، أم أنّ «مولت بوك» تقدّم لمحة عن مستقبل تُدفع فيه الأتمتة إلى أقصاها، فيما يُختزل دور الإنسان في موقع المتفرّج، باستثناء قلّة ضئيلة تملك البنية التحتية والقرار، وتُحسن توجيه عمل الآلة والأكثريّة معاً نحو مصالحها؟

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عندما تتبادل الآلات الأفكار: شبكة اجتماعية يكتبها الذكاء الاصطناعي

  لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي حكراً على البشر. فقد ظهرت تجربة رقمية جديدة تقلب هذا المفهوم رأساً على عقب، وتمنح مساحة النشر والتفاعل لروبوتات ...