مروة جردي
بينما تفتح دمشق أبواب معرض كتابها الأول بعد التغيير، تشتعل السجالات: هل هو عرس ثقافي أم انتكاسة؟ من تصدّر الخطاب المتشدد والكتب الطائفية، إلى «مؤثرين» يحملون السلاح، وصولاً إلى مقارنات هزلية بين أدهم الشرقاوي ودوستويفسكي؛ تتشكّل ملامح هوية سورية جديدة، مثقلة بأسئلة الرقابة والتبعية السياسية
منذ انطلاقه في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن «معرض دمشق الدولي للكتاب» مجرد فعالية ثقافية سنوية، بل شكّل إحدى الأذرع الرمزية للدولة في إدارة الثقافة والمعرفة. تداخل فيه ما هو معرفي بما هو سياسي، وما هو احتفالي بما هو رقابي، ليغدو مرآة لتحولات السلطة والنشر وحدود المسموح والممنوع في المجال العام السوري. لذلك يمكن النظر إلى الدورة الجديدة من المعرض بوصفها انعكاساً للإدارة السورية الجديدة بعد سقوط نظام «البعث».
ابن تيمية والآخرون!
قبل انطلاقه غداً في مدينة المعارض في دمشق، تصدّر المعرض اهتمام وحديث السوريين على منصّات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف لدى كثيرين من تصدّر واجهة المعرض الخطاب الديني المتشدد، ومنشورات ابن تيمية وابن القيم وابن كثير المعروفة بنزعتها المتشددة، في مقابل تراجع حضور الكتب ذات القيمة الفكرية. ويطرح أحد المتابعين تساؤلاً: «ما الكتب التي نتوقع رؤيتها في معرض دمشق هذا العام؟ وهل من الممكن أن نصادف كتباً مثيرة للجدل غير خاضعة لرقابة دينية؟».
إسرائيل مقبولة… «الرافضة» لا!
في هذا السياق، تداول عدد من الحسابات ملصقاً لكتاب «هل أتاك حديث الرافضة؟» كأحد العناوين التي ستكون متوافرة في معرض الكتاب، إلى جانب مجموعة من العناوين الطائفية، التي أعلنت عنها دار «نقش» على حسابها على منصة فايسبوك كترويج لمشاركتها ضمن المعرض. علماً أنّ الدار يقع مركزها الرئيسي في إدلب شمالي سوريا، وانتقلت مع السلطة السورية الجديدة من الشمال إلى باقي المناطق السورية. ومن اللافت أنّ الدار كانت مشاركة أيضاً في «معرض القاهرة الدولي للكتاب».
في هذا الإطار، نشر مدير دار «ممدوح عدوان» مروان عدوان، المشارك في المعرض، منشوراً حول إثارة مجموعة من إصدارات دار «نقش» لاهتمامه، من بينها كتاب «كشف الأستار عن ديانة الرافضة الأشرار»، وكتاب «هل أتاك حديث الرافضة؟»، الذي تعرّفه الدار بأنه «يتناول شيئاً من تاريخ الرافضة ومعتقداتهم وجرائمهم وغدرهم ودورهم في خيانة الإسلام والمسلمين على مرّ العصور». أما الكتاب الثالث اللافت، فحمل عنوان «التي باركنا فيها للعالمين»، ويتضمن نصوصاً أدبية في ثلاثة فصول عن غزة والقدس ويافا، إلا أنّ غلافه يحمل خريطة «إسرائيل» لا فلسطين.
أفادت مجلّة «فوربس» بوجود أكثر من مليون «مستخدم» في المنصّة الجديدة
في هذا السياق، يمكن استعادة ما تحدث عنه رياض نجيب الريّس في كتابه «الصحافة العربية: النشأة والتطور» حول أن المؤسسات الثقافية الرسمية في المشرق لم تُنشأ لتكون فضاءات حرة، بل قنوات مضبوطة لتداول الأفكار، وهو ما ينطبق إلى حدّ كبير على المعرض في هذه المرحلة.
«الانلفونسرز» هنا من دون سلاحهم!
في الإعلانات الترويجية للمعرض، عبّر عدد من المتابعين عن غضبهم من تصدّر ناشطين غير متخصصين في العمل الإعلامي أو الثقافي حملات الترويج، بعد نشر حساب المعرض على فايسبوك فيديو يظهر فيه صانع المحتوى السوري جميل الحسن يتحدث عن المعرض بوصفه «أول تظاهرة ثقافية بعد التحرير»، رغم الجدل الذي أثارته فيديوهات سابقة له، بعد ظهوره في تقارير إعلامية وهو يحمل سلاحاً على خصره.
وجاء في أحد التعليقات: «على الأقل، معرض متخصّص في الكتاب يجب أن يكون المروّجون له متحدثين باللغة العربية بشكل سليم، وأصحاب ثقافة، ومطلعين على إنتاجات الكتب وتاريخ المعرض، وليس مجرد شبان يملكون حسابات على منصات التواصل الاجتماعي».
برنامج ذو طابع إسلامي
ويشارك في «معرض دمشق الدولي للكتاب» نحو 500 دار نشر محلية وعربية وعالمية، ويستمر حتى 16 شباط (فبراير). كما جرى الإعلان عن مجموعة من المتحدثين ضمن فعالياته، من بينهم صانع الأفلام السوداني أمجد نور من منصة AJ+ التابعة لشبكة «الجزيرة»، إلى جانب عدد من الباحثين والكتّاب ذوي الطابع الإسلامي، من بينهم ياسين علوش وعبد الكريم بكّار، إضافة إلى الكاتب أدهم الشرقاوي، الذي أثار اتحاد الكتّاب في سوريا جدلاً واسعاً بعد تخصيص ندوةً تقارن بينه وبين تيودور دوستويفسكي، ما أطلق موجة سخرية واعتراض بين السوريين. كذلك، من بين الضيوف نائب مسؤول الشؤون الخارجية في «حزب العدالة والتنمية» التركي، ياسين أقطاي، للحديث عن واقع تركيا و«الأمة الإسلامية».
وحين أُطلق «معرض دمشق الدولي للكتاب» عام 1984، لم يكن حدثاً معزولاً عن سياقه السياسي، بل جاء في لحظة كانت تعمل فيها الدولة السورية على إعادة ترميم صورتها الثقافية بعد سنوات من الصراع الداخلي والانغلاق.
اليوم، يبدو المعرض أمام لحظة مشابهة بوجوه جديدة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان سيقدّم هوية الدولة السورية الجديدة كما كانت في مناطق سيطرتها السابقة، أو سيشهد تحولاً في الخطاب الثقافي والسياسي، كما حدث في مطلع الألفية مع بداية حكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، حين أُدخلت مفردات مثل «الإصلاح» و«التحديث» إلى القاموس الرسمي، وترك ذلك أثره على المعرض، إذ سُمح بعناوين كانت ممنوعة سابقاً، واتسعت المشاركة، وارتفعت أعداد الزوار بشكل ملحوظ، قبل أن يعود التضييق مجدداً بعد عام 2011 وصولاً إلى توقف المعرض لسنوات عدة بسبب الحرب والأعمال العسكرية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
