تمثل منطقة الجزيرة السورية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، لامتلاكها مقومات الإنتاج الزراعي من الموارد والمصادر المائية، بالإضافة للإمكانات النفطية المتوفرة فيها والكهربائية التي يتم توليدها من سدود نهر الفرات، إلى جانب التنوع المناخي الذي تتميز به المنطقة، ويتيح زراعة مجموعة واسعة من المحاصيل.
منطقة الجزيرة السورية تشكل وفق رأي المختصين بالشأن الزراعي، الثقل الأكبر في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وبمقدمتها القمح والقطن والشعير، وإن عودة استثمار هذه الأراضي من شأنه دعم الاقتصاد السوري، وبالتالي تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وإعادة تنشيط الصناعات المرتبطة بهذا القطاع، وتحسين دخل الفلاحين.
أكثر من مليوني هكتار في المناطق المحررة
تبلغ المساحات الزراعية المحررة مؤخراً من تنظيم “قسد” في محافظات الحسكة والرقة وشرقي دير الزور نحو مليونين و567 ألف هكتار، وفق مدير الاقتصاد والتخطيط في وزارة الزراعة سعيد إبراهيم، مبيناً في تصريح لمراسل سانا أن مليونين و316 ألف هكتار من تلك المساحات مستثمرة وتدخل ضمن الخطة الإنتاجية الزراعية، وتتوزع بين أراضٍ سليخ (الأرض البور) بنحو مليونين و287 ألف هكتار، وأراضٍ مشجرة تبلغ مساحتها نحو 22 ألف هكتار.
وفي المجمل، تتركز النسبة الأكبر من المساحات الزراعية المحررة في محافظة الحسكة 59 %، تليها الرقة بنسبة 35 %، ثم دير الزور بنسبة 6 %، وتبلغ المساحات المروية منها 546 ألف هكتار بنسبة 45 % من إجمالي المساحة المروية في سوريا.
المساحات المخططة لزراعة القمح والشعير
يجري العمل حالياً على التخطيط لمعظم المحاصيل الزراعية في هذه المناطق، وفي مقدمتها القمح، إذ تبلغ المساحة المخططة لزراعته نحو 700 ألف هكتار، بنسبة 48 % من إجمالي المساحة المخططة على مستوى سوريا، مع إنتاج متوقع يصل إلى مليون و700 ألف طن، ما ينعكس إيجاباً على تخفيض كميات القمح المستوردة لتلبية حاجة السوق المحلية.
فيما بلغت المساحات المخططة لزراعة الشعير نحو 590 ألف هكتار، بنسبة 42 % من إجمالي المساحة المخططة على مستوى سوريا، إضافة إلى محاصيل أخرى كالطبية والعطرية، والخضار الشتوية والصيفية، والبقولية، التي تؤدي دوراً مهماً في تأمين الأعلاف اللازمة للثروة الحيوانية، وتعزيز الاستقرار الزراعي والاقتصادي في سوريا.
كما يشكل القطن أحد المحاصيل الاستراتيجية الذي تنعكس عودته إيجاباً على عجلة الاقتصاد، وفق مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي، مبيناً أن المساحة المخططة لزراعته نحو 39 ألف هكتار، ما يشكل 78 % من إجمالي المساحة المخططة في سوريا، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تشغيل محالج القطن والصناعات المرتبطة بها.
عودة المنطقة الشرقية تسهم بتغطية حاجة السوق المحلية
أكد رئيس قسم الحبوب في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية خالد شريدة، أن عودة المنطقة الشرقية ستتيح لسوريا تغطية احتياجها المحلي من القمح، بما يسهم في الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي بعدما كانت تعتمد على الاستيراد خلال السنوات الماضية، إلى جانب فتح المجال لإجراء البحوث الزراعية واختبار الأصناف المختلفة من القمح والشعير، بما يضمن تطوير الإنتاج وتحسين نوعية المحاصيل.
ولفت إلى أهمية عودة مراكز البحوث الزراعية أيضاً في المحافظات الشرقية لإجراء اختبارات المحاصيل الأساسية، واستئناف عمليات زراعة التجارب، واختبارات الأصناف، وإكثار البذار من كل الأصناف المعتمدة، حيث إن محطتي دير الزور “سعلو” و”المريعية” كانتا مركزين أساسيين لزراعة الأصناف التجريبية والإكثارات، فيما يعتبر مركز القامشلي من المراكز المتميزة لإجراء التجارب على مختلف أنواع القمح والشعير، بما في ذلك الحقول الإنتاجية الواسعة.
وبيّن شريدة أن الشعير يستخدم أيضاً كعلف للثروة الحيوانية، إلى جانب الاستفادة من مخلفات القمح، مثل التبن والقش، مؤكداً أن الفوائد المتوقعة للثروة الحيوانية كبيرة، حيث تحتوي تلك المنطقة على قطعان واسعة من الأغنام والماعز التي توفر اللحوم ومنتجات الألبان والصوف، مضيفاً: إن استثمار هذه الموارد سيسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي وتنمية الاقتصاد الوطني.
زراعة القطن تعود مع المنطقة الشرقية
أكدت مديرة إدارة بحوث القطن في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية جميلة درباس أن عودة مناطق زراعة القطن في المنطقة الشرقية إلى كنف الدولة، تشكل خطوة بالغة الأهمية على المستوى الزراعي والصناعي والاقتصادي، حيث يؤمن مورداً مهماً من القطع الأجنبي للخزينة العامة، إضافة إلى ما يشكله من بعد اجتماعي كبير، إذ ترتبط العديد من العائلات السورية بهذه الزراعة وتعمل على تصنيعه وتسويقه من الحقول إلى معامل الغزل والنسيج، وصولاً إلى التصدير.
وتعد زراعة القطن في سوريا من الأعمال المساهمة بتحسين دخل المواطنين وتأمين فرص عمل واسعة، إلى جانب دورها في تعزيز الاستقرار الزراعي عند دخولها في الدورة الزراعية إلى جانب محاصيل القمح والشعير، وتشكل قاعدة أساسية للصناعات النسيجية، لكونها تؤمّن المادة الأولية لمعامل الغزل والنسيج، ما يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويعزز القيمة المضافة عبر تحويل القطن الخام إلى خيوط وأقمشة ومنتجات نهائية قابلة للتسويق محلياً والتصدير خارجياً.
وبينت درباس أن زراعة القطن تتركز تاريخياً في مناطق الجزيرة السورية، لما تتمتع به هذه المناطق من ملاءمة مناخية وتربوية وتوافر مصادر المياه عبر مشاريع الري الحكومي المعتمدة على الأنهار، معتبرة أن استعادة هذه المناطق له تداعيات إيجابية كبيرة بما يخص هذا المحصول.
ولفتت درباس إلى أهمية العمل حالياً على إجراء تقييم شامل للواقع الزراعي في تلك المناطق، لجهة جهوزية شبكات الري والبنى التحتية، والمحطات البحثية، قبل عملية تنمية هذا المحصول، وإعادة إحيائه، مبينة أن سوريا تعتمد على برنامج وطني لإنتاج بذار أصناف القطن المحلية، نظراً لما يملكه من موثوقية وخبرة تراكمية طويلة.
فتح الباب أمام الاستثمار
من جهة أخرى أشار مدير العلاقات العامة في الاتحاد العام للفلاحين بسام حسين إلى أن عودة هذه الأراضي إلى أصحابها، سيفتح الباب أمام استثمارها من جديد بالشكل الأمثل، ورأى أن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً واعدة لإقامة مشاريع زراعية كبرى، وإعادة تأهيل المساحات وإدخال التقنيات الحديثة في الزراعة، ولا سيما تقنيات الري والزراعة المتطورة، بما يرفع الإنتاج كماً ونوعاً.
وأضاف حسين: إن هذه المناطق قادرة على أن تجعل سوريا دولة واعدة زراعياً على مستوى المنطقة في حال تم إدخال الاستثمارات الزراعية بالشكل الصحيح، وزراعة محاصيل ذات جودة عالية تلبي احتياجات السوق المحلية وتدعم فرص التصدير.
ولفت حسين إلى أن المرحلة السابقة شهدت تراجعاً كبيراً في الاستثمار الزراعي نتيجة تهجير الفلاحين وخروجهم القسري من أراضيهم، ما أدى إلى إهمال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وخروجها من دائرة الاستثمار، وانتشار الأعشاب الضارة والحشائش، وتراجع الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ.
وأوضح مدير العلاقات العامة في الاتحاد أن استعادة المناطق الشرقية تعني عودة المخزون المائي والطاقة والموارد البشرية، وهو ما سيشكل دفعة قوية للقطاع الزراعي ويعزز الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، واستعادة القدرة الإنتاجية والزراعية والصناعية، وتوفير فرص عمل، بعد سنوات من تراجع الإنتاج وزيادة الأعباء على الفلاحين نتيجة خروج هذه الأراضي.
ركن من الأمن القومي الاقتصادي
لا تعد الزراعة في المنطقة الشرقية السورية ملفاً إنتاجياً أو قطاعاً خدمياً فحسب بل تمثل وفق الخبير الاقتصادي كرم خليل ركناً أساسياً من الأمن القومي الاقتصادي للدولة، مشيراً إلى أن عودة الزراعة الإستراتيجية إلى مناطق الجزيرة (الحسكة، الرقة، دير الزور) تشكل اليوم التحول البنيوي الأهم في مسار استعادة السيادة الاقتصادية.
وأوضح خليل أن هذه العودة تعيد للدولة السيطرة الفعلية على ثلاث ركائز لا يمكن لأي دولة مستقرة الاستغناء عنها، وهي: الغذاء، السوق، والعملة، لافتاً إلى أن استعادة إنتاج المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والقطن والذرة تنعكس بشكل مباشر وقابل للقياس على الاقتصاد الوطني والسوق المحلية.
تخفيض لفاتورة الاستيراد
وبيّن الخبير الاقتصادي أن هذا المسار والتوجه الزراعي لمنطقة الجزيرة يسهم في خفض حقيقي لفاتورة الاستيراد، وتعزيز المخزون الإستراتيجي، وضبط أسعار السلع الأساسية عبر زيادة العرض المحلي المنتج، لا من خلال تدخلات ظرفية أو أشكال دعم غير مستدامة، ما يسمح بنقل السوق من اقتصاد الندرة والوساطة والاحتكار إلى اقتصاد إنتاج منضبط، كما يعيد ربط الاستقرار النقدي بالإنتاج الحقيقي بعيداً عن المضاربات.
وأشار خليل إلى أن المساحات الواسعة في الجزيرة السورية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية ضمن نموذج استثمار سيادي متكامل، يقوم على إعطاء الأولوية المطلقة للاستثمار الوطني، مع شراكات أجنبية منضبطة بالقانون، من دون بيع الأراضي أو التفريط بالأصول الإستراتيجية، وبما يضمن منع الاحتكار وضبط التسعير وآليات الاستلام.
الاستثمار اليوم لا بدّ أن يكون موجّهاً نحو مشاريع تشغيل حقيقية، وفق خليل، مثل تحديث أنظمة الري وإدارة مياه الفرات والخابور، وإنشاء صوامع حديثة، ومرافق تخزين، وتطوير لوجستيات النقل، إضافة إلى الاعتماد على الطاقات البديلة لخفض كلفة الإنتاج، مؤكداً أن الدولة لا تعرض أراضي للاستثمار، بل منظومة إنتاج متكاملة بعقود تشغيل وحوكمة واضحة.
وشدد خليل على أن الأثر الأهم لعودة هذه المقومات يتمثل في تنمية الصناعات المحلية عبر إغلاق حلقات سلسلة القيمة، حيث يتحول القمح إلى دقيق ومشتقات غذائية، ويعود القطن قاعدة للصناعات النسيجية، وتدخل الذرة في صناعة الأعلاف، مع إعادة دمج الشوندر السكري من خلال تأهيل معامل السكر، ما ينقل سوريا من تصدير المواد الخام إلى تشغيل المصانع وخلق فرص عمل وتوليد قيمة مضافة مستدامة.
ما سبق ذكره، يُلخصه المختصون بالشأن الزراعي بأن ما يجري في المنطقة الشرقية السورية لا يندرج ضمن التعافي التدريجي، بل يمثل إعادة تشغيل حقيقية لخزان الدولة الاقتصادي، حيث تصبح الزراعة قاطرة تربط الغذاء بالصناعة، والصناعة بالسوق، والسوق بالقرار الوطني.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
