يسرا عادل
لم تكن وثائق إبستين مجرد أوراق خرجت من الأدراج، ولا رسائل إلكترونية فُكت عنها السرية. ما خرج إلى العلن كان مشهداً كاملاً، مسرحاً أُضيئت خشبته فجأة، بينما الممثلون ما زالوا في أماكنهم، بعضهم يحاول ستر وجهه، وبعضهم يبتسم بثقة من اعتاد الظل.
السؤال الحقيقي لم يكن: ماذا كشف؟ بل: لماذا كشف الآن؟ وبأي ترتيب؟ ولمصلحة من؟
في السياسة، لا تنشر الملفات الثقيلة عبثاً. كل وثيقة تختار لحظتها، وكل فضيحة تُدار، حتى حين تتظاهر بالعفوية. وما بدا للرأي العام بوصفه انفجاراً أخلاقياً، كان في العمق عملية إعادة توزيع للأذى.
ولنحاول تفكيك المشهد الثقيل، لابد من استحضار المميزات والعيوب لكل طرف، فالجمهوريون لم يحتاجوا إلى صناعة سردية جديدة. الوثائق خدمت خطابهم الجاهز: نخبة تتحدث عن القيم، وتعيش فوق القانون. كل اسم خرج، وكل صورة نُشرت، وكل رسالة غامضة، تحولت إلى دليل إضافي في محكمة الرأي العام.
لم يسعَ الجمهوريون إلى الإدانة القانونية، لأنهم يعرفون أن المحاكم بطيئة، وأن السياسة تُحسم في المساحات الرمزية. ما أرادوه تحقق: كسر الهيبة الأخلاقية، وإعادة تعريف الصراع لا بوصفه يميناً ويساراً، بل “شعباً” في مواجهة “نخبة”. هكذا استثمروا الأزمة: ليس بإثبات الذنب، بل بتعميم الشبهة.
على الضفة الأخرى، وجد الديموقراطيون أنفسهم في موقع دفاعي. ليس لأنهم وحدهم مَن وردت أسماؤهم، بل لأنهم كانوا في موقع الإدارة حين فُتحت الخزائن. حاولوا امتصاص الصدمة عبر الشفافية المُدارة: نشر متدرج، لغة قانونية باردة، وتأكيد متكرر أن الذكر لا يعني الإدانة.
نجحوا جزئياً؛ فلم تتحول الوثائق إلى لوائح اتهام، ولم تسقط مؤسسات كبرى. لكن الثمن كان فادحاً على مستوى الصورة. فحين تُمسك بالملف، تُصبح مسؤولاً عن عمقه، لا عن سطحه فقط.
ومع ذلك، لم يكن هؤلاء هم الخاسر الأكبر. كل هذا الجدل أخفى سؤالاً أكثر خطورة، ظل يتردد بصوت منخفض ثم بدأ يعلو: كيف تحوّل رجل واحد إلى عقدة شبكة بهذا الاتساع، دون أن تتوقف الآلة؟
لسنوات، تحرك إبستين بين المال والسياسة، بين الداخل والخارج، بين العلن والسر. شبكة علاقاته لم تكن هامشية، ولا محلية، ولا عشوائية. كانت كافية لتُثير اهتمام أي منظومة تراقب المخاطر قبل وقوعها، لا بعدها.
هنا، لا يعود النقاش حزبياً. ولا أخلاقياً وحسب، بل مؤسسياً بامتياز. إما أن النظام لم يرَ — وتلك كارثة كفاءة، أو أنه رأى وترك — وتلك كارثة شرعية. وفي الحالتين، يتصدع العمود الفقري للثقة.
المواطن الأميركي، المعتز بقانونه وقيمه وأخلاقياته وسردياته، والذي طُلب منه طويلاً أن يثق بالمؤسسات، يجد نفسه اليوم أمام معادلة مستحيلة: جهاز قادر على تتبع أصغر المعاملات، وأدق الاتصالات، وأبعد التحركات… لم يتحرك حين صار الخطر شبكة.
كيف يُقنع بعد الآن أن هذا الجهاز وُجد لحمايته؟
كيف يُطلب منه الإيمان بأن ما كُشف هو كل ما كان يجب كشفه؟
هنا، لا تعود الأحزاب قادرة على التبرير، ولا الإعلام قادراً على الإغلاق. لأن الشك لم يعد موجها إلى أشخاص، بل إلى منطق العمل نفسه.
قد يخرج الجمهوريون بنقاط سياسية. وقد ينجو الديموقراطيون مؤسسياً، لكن الخاسر الأكبر هو تلك البنية التي بُنيت على فكرة المعرفة المسبقة، والقدرة على المنع، والسيطرة قبل الانفجار. الفضيحة لم تفضح ما فعلته، بل ما سمحت بحدوثه.
ومن هنا، تصبح المشكلة أبعد من إبستين، وأخطر من وثائقه؛ لأنها تمس السؤال الذي لا تُجيد الدولة العميقة الإجابة عنه: إذا كنتم تعرفون… فلماذا صمتم؟ وإن لم تكونوا تعرفون… فلماذا نثق بكم؟
في هذا الفراغ، لا تسقط مؤسسة واحدة، بل تسقط الفكرة التي قامت عليها.
*كاتبة إماراتية
أخبار سوريا الوطن١-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
