هبة ياسين
لا تملك في حضرة إبراهيم نصرالله إلا الإنصات، مستمتعاً بسرده للحكايات وآرائه في القضايا المختلفة بنفس الدرجة التي يجتذبنا أدبه، فتكتشف أن كتاباته تشبه شخصيته في الوضوح والانحيازات دون خشية أي خسارة.
هو الروائي الذي جعل من أدبه حارساً للذاكرة الفلسطينية، إذ يتتبعها وينقحها، ولا يقبل بتزييف التاريخ. يعيد بناء القرى والمدن الفلسطينية التي دمرها الاحتلال، فحتى لو اختفت جغرافيا، لديه الإصرار على إحيائها روائياً، جاعلًا من أدبه توثيقاً وذاكرة لأجيال وأجيال.
لم يكن غريباً أن يكون أول كاتب عربي يُتوج بـ”جائزة نيوستاد العالمية للأدب” (نوبل الأميركية) لعام 2025، والتي تُمنح للمؤتمن على الذاكرة والهوية، لتنضمّ إلى قائمة طويلة أبرزها حصوله على “جائزة الرواية العربية”، وجائزتي “كتارا” و”جائزة الشيخ زايد”، وغيرها.
“النهار” التقت نصر الله، الذي تحدث عن محطات في مسيرته الإبداعية، وتجربته في الكتابة كأداة للمقاومة وحفظ الذاكرة الفلسطينية.
*كيف استقبلت حصولك على جائزة نيوستاد، وما قيمة هذا التتويج بالنسبة إليك؟
– تأسست الجائزة عام 1970، وهذه المرة الأولى التي ينالها “كاتب يكتب بالعربية”، ولم أتوقع أن نكون جزءاً من هذه الجائزة الكبرى؛ لاعتيادنا أن “الجوائز العالمية” ليست لنا لأسباب كثيرة، لذا شكلت مفاجأة رائعة. وخصوصاً حين علمت أن كثيراً من الكُتاب الذين فازوا أو رُشحوا لها كانوا جزءاً أساسياً من ثقافتي الشخصية؛ فقد فاز بها ماركيز، ورُشح لها بابلو نيرودا وساراماجو العظيم ولم يفوزا. كما أنها مختلفة عن كل جوائز العالم من حيث آليات الترشيح والاختيار.
* تزامن حصولك على الجائزة مع الإبادة والعدوان على غزة، ما الذي مثله هذا التوقيت بالنسبة إليك؟
– أحد أسباب سعادتي البالغة بهذه الجائزة هي حيثيات منحها، إذ جاء في بيانها أنها تستند إلى كتاباتي المتجذرة في الهوية والمنفى والمقاومة، والمقاومة مفردة لم تعد تذكر في وطننا العربي أو مطرودة من خطابنا، إضافة إلى أنها تُمنح لـ “المؤتمن” على الذاكرة العامة، وهو توصيف حمل عميق الأثر في نفسي، لكوننا نخوض حرب ذاكرة مع العدو الصهيوني الذي يسيطر على كل أشكال الذاكرة سواء الصحافة والإعلام والسينما ليرسخ سردياته وخرافاته، فيما يحمل درع الجائزة رمز “الريشة”، في إشارة إلى السكان الأصليين من الهنود الحمر في أوكولاهوما الذين واجهوا الإبادة.
* المقاومة عبر الكتابة، هل هو مسار فُرض عليك أم قررته؟
– لا توجد قرارات مسبقة في الكتابة؛ لكن حين تبدأ، تكتشف أنك تكتب قبل أن تعرف ماذا تكتب؟ وقد بدأت الكتابة في عمر الثالثة عشرة؛ لأعبر عما أعانيه في المخيم، ذلك المكان الذي يعد رمزاً مصغراً لمآسي العالم من منفى واقتلاع وتهديد ومصير مجهول. إذ تجمعت كل الأسئلة التي تؤرق البشر في هذه البقعة الصغيرة.
فالكتابة هنا ليست اختياراً بقدر ما هي حاجة تتدرج مع نمو الوعي، ومحركها الأساسي هو التعبير عن ذات محاصرة ومهددة منذ الطفولة وتنمو بمرور الوقت. فالحذاء المثقوب، والطين الذي يتناثر عليك في الطريق إلى المدرسة، والجوع، وما يكابده الأصدقاء والأب والأم والجد، كلها تفاصيل تشكل الهوية، بل هي أول وأخطر ما يصوغ هوية الإنسان في بداياته.
*تتمتع مسيرتك بالثراء المكاني، وذاكرة المدن لديك عميقة، منذ ولدت في مخيم الوحدات في الأردن لأبوين مهجرين من قرية البريج، وتلقيت تعليمك في مدارس وكالة الغوث بالأردن، وشهدت مسيرتك أسفاراً متعددة.. ما المدن التي أثرت بك وتركت بصمتها في أدبك؟
– بالتأكيد تترك كل مدينة أثرها، فقد ارتبطت بالقاهرة، إذ شكلتنا فنياً وثقافياً بهذا البعد الحضاري الممتد، فحضورها جزء من طفولتنا ووعينا، وثمة مدن أخرى، أبرزها القدس، وعشت عامين في صحراء السعودية، في منطقة “القنفذة”، وهو مكان يواجه فيها الإنسان الموت مرات. كما ألقى المخيم بعميق أثره على نفسي. بجانب القرية الغائبة “البريج”، الواقعة على بُعد عدة كيلومترات من القدس، وهي إحدى القرى المدمرة تماماً وأقيمت على أنقاضها مطارات ومصانع أسلحة صهيونية، وأحياناً يكون من الصعب أن تصلها. وحينما لم أستطع الوصول إليها أعدت بناءها ضمن رواية “زمن الخيول البيضاء”، إذ كان حتمياً أن أرى كيف عاش أبي وأمي وجدي والشعب الفلسطيني فيها. فالمكان الغائب أو المدمر لابد أن تبذل جهدك لتعيد بناءه من جديد حتى لا يستطيعوا تدميره مرة أخرى.
كما حمل السفر أثره وانعكس في بعض الأعمال، مثل ديوان «فضيحة الثعلب» مُستلهماً من زيارة لأميركا، و”مجرد اثنين فقط” من تجربة زيارة قاسية ومأسوية لأحد البلدان العربية، و”طفولتي حتى الآن” شارك فيها المكان عبر “المخيم”. وكتبت كل ذلك في “السيرة الطائرة” التي تناولت سيرتي في الكتابة خلال 25 عاماً، كما ساهم السفر في تشكيل وعيي والاطلاع على الوعي المضاد، وتعلمت مقابلة الأجانب ومحاورتهم، وحتمية أن تكون صريحاً وصادقاً، وتتحدث معهم مباشرة دون خوف.
*كتبت “السيرة الطائرة” و”طفولتي حتى الآن” كسيرة روائية. متى ستكتب سيرة كاملة لحياتك، وبأي صيغة ستكتبها روائية أم غيرها؟
– كتبت ذات مرة قائلًا “في الرواية نعترف وتظل أسرارنا لنا”.. وثمة مساحة إذا كتبتها في السيرة تصنع “مشكلة” أحياناً، لكن يمكن تمريرها بالصياغة الروائية بحرية. إذ سردت في “السيرة الطائرة” جزءاً من تجاربي في السفر، وكتبت عن طفولتي في المخيم حتى عام 1970 عبر “طيور الحذر”، الذي أعتبره الجزء الأول من رواية “طفولتي حتى الآن” التي كانت أكثر وعياً بماهية السيرة؛ حيث اتحفظ عموماً على السيرة التقليدية، ولم أرغب أن يكون الذين أثروا في حياتي مجرد ركاب في محطات متتالية، بل أردتهم أبطالًا معي في الرواية حتى نهايتها. وأسعدني أن القراء اعتبروا شخصياتها هم الأبطال، وأن الحس بالتقدير لتلك الشخصيات وصل الجمهور. لذلك أشك في أنني سأكتب سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي.
* مشروعك الروائي “الملهاة الفلسطينية” غطى أكثر من 250 عاماً من تاريخ فلسطين، بعد هذه العقود من الكتابة، هل تشعر أن الرواية نجحت فيما فشل فيه التأريخ الرسمي؟
– أعتقد أن التاريخ العربي، سواء القديم أو الحديث كثير منه مُزور. وبلغ التزوير شكلًا كارثياً، لأن حجم البطولة الزائفة في سرديات القضية الفلسطينية جذورها مرعبة: فالجميع كانوا أبطالاً وكل الجيوش منتصرة، إذن لماذا ضاعت فلسطين؟
حين تستعيد التاريخ الفلسطيني قبل النكبة، تدرك أنه حتى بعض المؤرخين المتميزين لم يلتفتوا إلى الكثير من التفاصيل، لذا عليك ككاتب حين تقرأ التاريخ الفلسطيني، ألا تقبل بما كُتب حينما تتناول هذه الفترة. كمثال، أخطر شيء واجهني هو شخصية فوزي القاوقجي في “زمن الخيول البيضاء”: الجميع كانوا يعتبرونه بطلًا وقائد ثورة، لكن عندما قرأت عنه وتتبعت سيرته منذ الحرب العالمية الأولى فصاعداً، اكتشفت أنه شخص “لاهٍ” غيرمسؤول أو مؤتمن على جنوده، وتورط في الوقوف ضد الثورة الفلسطينية عام 1936 مع الزعامات العربية. واستُقبل كالأبطال في عمان، ثم ذهب إلى العراق، وفي النكبة عُين قائداً لجيوش الإنقاذ رغم كل هذا!
وأتعجب كيف لم يلاحظ أي مؤرخ هذه المسرحية الكبيرة؟ وخشيت فشل الرواية بسبب هذه الرؤية، لكن الدكتور سلمان أبو ستة، وهو عميد المؤرخين الآن، قال لي: “يا إبراهيم، لقد رأيت ما لم نره”، عندها أدركت أنه علينا كروائيين مراقبة التاريخ، والتاريخ نفسه ينبغي أن يخشى الرواية ويستفيد منها. فالرواية لم تعد خيالات ومغامرات، بل وسيلة لقراءة العالم والفترات التاريخية بمسؤولية. وثمة مسؤولية وطنية وخلاقية كبرى تقع على الكاتب.
*مع كل هول الأحداث والإبادة التي حدثت، كيف يستطيع إبراهيم نصر الله الكتابة مع الألم النفسي؟
– هذا الصمت تجاه ما يحدث في غزة، وخصوصاً في العالم العربي، لا يمكن أن تقابله بالصمت، فهو ليس قيمة بل قمة الحياد، وشخصياً أؤمن بقوة الكتابة لأن كتّاباً آخرين غيروني، وثمة كتباً أعادت تشكيل حياتي. وأنا مدين لغسان كنفاني فيما دفعني إليه من تغيير مساري حين قرأت كتبه أثناء عملي مدرساً في السعودية، ولولاه ربما ما كنت ما أنا عليه الآن.
واليوم، حين أرى الأثر المباشر لما أكتبه في الناس، أدرك معنى هذه القوة. مثلا أن تصلني رسالة من فتاة في غزة تقول إنها ترددت بين شراء الخبز أو روايتي فاختارت الرواية، فتلك لحظة لا تعادلها كل جوائز العالم. أو أن يخبرك سجناء بأن كتبك جعلتهم يشعرون أنهم خارج السجن، أو فتاة قرأت “زمن الخيول البيضاء” تسع مرات في الزنزانة الانفرادية. كل ذلك جعلني لا أشك في قوة الكتابة مطلقاً، وأؤمن بها كقارئ أكثر مما أؤمن بها ككاتب.
*من وجهة نظرك، ماذا ينقصنا كي نفرض وجودنا، ونقدم صورتنا الحقيقية إلى العالم؟
– نحن نوجد حين يكون هناك من يرانا، ومن يقبل بوجود آخر له، فالكيان الصهيوني لا يقبل يوجود آخر له، ولا نُحسب موجودين على هذه الأرض؛ لذا فالمعركة معه “معركة محو” ثقافي وجسدي واقتصادي، ودفعنا لأن نكون تابعين لأنه لا يراك موازياً له إنسانياً.
ومع ذلك، فإن تجربة الشعب الفلسطيني تقدم النموذج الأوضح: أن يكون العالم كله ضدك وتبقى موجوداً. مئة عام من القتل والتجاهل والإبادة لم تمحُ هذا الوجود، بل أكدت أن الإصرار على الحضور هو في ذاته فعل مقاومة، وأن الكتابة أحد أشكال هذا الإصرار على أن نُرى ويُعترف بنا.
*في الوقت الراهن، من الشخصية التي تحب أن تكتب عنها رواية؟ وهل لا يزال هناك صوت فلسطيني لم يجد طريقه إلى الورق بعد؟
– ليس المهم أن نكتب عن شخصية مشهورة، فالأبطال الحقيقيون بلا عدد، وأهم من كثيرين جرى تعيينهم أبطالًا أمامنا. كل الأسرى، وكثير من الأمهات الفلسطينيات، وكل طفل فقد أطرافه، يحملون حكاية تستحق أن تُكتب. البطولة في جوهرها أعظم ما فيها هي كونها موزعة على البشر، لكن عند الكتابة تمنح هؤلاء فرصة لأن يكونوا حاضرين بقوة. وقيمة الشخصية في الرواية أن تمنحها البعد الكافي لتكون قادرة على تمثيل آلاف من البشر، وحينما يقرأونها يقولون “هذا-هذه أنا”. هنا تتجلى أهمية الكتابة.
فأعمال مثل “أعراس آمنة” و”تحت شمس الضحى” و”أرواح كليمنجارو”، التي أعتبرها عملا مركزياً في حياتي، ورغم أنها كُتبت قبل سنوات طويلة لا تزال تعبّر عن اللحظة الراهنة. فقد كتبت عملًا عن غزة قبل اثنين وعشرين عاماً، ويشعر القارئ اليوم أنه كُتب عن غزة الآن. وحين أراجع مشاهد الخيام المتطايرة في “طفولتي حتى الآن”، أراها صورة حاضرة لما يجري اليوم في غزة. لذا أنت محظوظ حين تستطيع كتابة نص يعبر عن أكثر من مرحلة زمنية، والأخطر أن يعبر عن الذائقة المتحولة لأجيال القراء. ومع ذلك، أنت في النهاية “كاتب فرد” لا تستطيع تغطية كل شيء. ومشروع “الملهاة الفلسطينية” هو محاولة لمد هذا الأفق على مساحة تمتد من القرن الثامن عشر حتى اليوم، فهناك فصول نكتبها نحن، وفصول يكتبها الآخرون، وكلٌّ يجتهد بقدر طاقته.
*كيف ترى دور المثقف والكاتب العربي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا المعاصر؟ ما المطلوب منه تجاه القارئ؟
– وظيفة الكاتب أن يكتب أدباً جيداً وصادقاً، قادراً على الوصول إلى قلب القارئ، ليس العربي فقط ولكن في كل مكان. فالكتابة جزء من تاريخنا وذاكرتنا ووعينا ومستقبلنا، ولست متشائماً إزاء حجم الإقبال على القراءة، فثمة كتلة قرائية مميزة في العالم العربي، وأعتقد أن القوة القرائية الأساسية تعود للنساء، ثم يأتي الرجال في مرتبة تالية.
وبالمناسبة، دفع الكُتاب العرب أثماناً باهظة؛ فبعضهم زُجّ به في السجون، وآخرون طُردوا من العمل، وحوصروا في لقمة عيشهم، وبعضهم تعرض لإطلاق النار. وحينما كانت الصحيفة والتلفزيون والكتاب المدرسي أدوات بيد الدولة، كان الكاتب العربي ينتمي إلى الناس فقط. وهذا ما يبنغي الرهان عليه دائماً: أن يكون هناك كتاب أساسيون قادرون على تغيير حياتنا. لنتأمل فلسطين بدون غسان كنفاني ومحمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وسميح القاسم وتوفيق زياد وإبراهيم طوقان؛ لباتت صحراء قاحلة. فعظمة أي أمة تكمن في ثقافتها وتقاس بعدد مبدعيها الكبار.
* لديك دور بارز في كتابة السردية الفلسطينية، هذه السردية لا تزال قائمة على جهود فردية في ظل غياب العمل المؤسسي، بينما السردية الصهيونية قامت على دعم مؤسسي واسع. هل تفكر في مشروع لجمع هذه الجهود في إطار مؤسسي؟
– نحن وُجدنا أساساً لعدم وجود المؤسسات، ولا يمكنني الانتظار حتى قيام مؤسسة تعمل من أجل القضية الفلسطينية وذاكرتها. كل فرد منا مسؤول، وعليه البدء من موقعه. هكذا بدأت مشروع “الملهاة الفلسطينية” في منتصف الثمانينيات، دون أن أسأل عن النتائج. فالمشروع يكبر حين تكون مخلصاً له، لا حين تحسب نتائجه مسبقاً.
علينا أن نبدأ لمواجهة هذا الخراب الرسمي والقمعي دون التفكير في العواقب سواء سجن، منع من السفر، أو تضييق، أو الطرد من العمل، كانت هناك فكرة يجب أن تُكتب فكتبتها ومضيت. لذلك أؤمن بقوة الفرد أكثر من إيماني بقوة المؤسسات، خصوصاً في ظل موات عالم كثيراً ما يتآمر فيه الرسمي على الحرية وعلى المبدعين. وإذا لم نتحرك كأفراد فإن وضعنا سيزداد سوءاً.
وأحيّي أولئك الشجعان الذي حركوا العالم، وبدأوا من الجامعات الأميركية وغيرها، وطردوا منها، ودفعوا أثماناً شخصية باهظة، جاعلين من إدانة الإبادة أمراً فعلياً. فالصمت يقتلنا كأفراد وكجماعة. وبصراحة كل شخص عليه أن يدفع “ثمن ما” حتى يتغير كل شيء.
أخبار سوريا الوطن١-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
