حسن حردان
تعتبر فضيحة جيفري إبستين، تجسيداً “حرفياً” وفجاً للنظريات التي وضعها كارل ماركس حول تحويل البشر إلى سلع، والعلاقة بين السلطة والمال، ومدى الانحلال الأخلاقي في قاموس الرأسمالية المسيطرة على السلطة والاقتصاد.
أولاً: تحويل الإنسان الى سلعة استهلاكية،
لقد جادل ماركس بأنّ الرأسمالية في مراحلها المتقدمة لا تكتفي ببيع المنتجات، بل تحوّل “الجسد البشري” نفسه إلى سلعة. في قضية إبستين، لم تكن النساء والفتيات بالنسبة له ولشبكته سوى “أدوات متعة” يتمّ شراؤها، بيعها، وتداولها بين النخب. هذا هو التعبير الأقصى عن “صنمية السلعة”، حيث تُنزع الإنسانية عن الشخص وتُقاس قيمته فقط بقدرته على إشباع رغبة أو تحقيق مصلحة.
ثانياً: المرأة وسيلة لعقد الصفقات،
تستخدم المرأة من قبل الرأسماليين وسيلة لعقد الصفقات، وفضيحة إبستين هي “المثال الصارخ” على ذلك:
ـ الابتزاز والجنس كعملة سياسية: لم يكن النشاط الجنسي في شبكة إبستين مجرد انحراف شخصي، بل كان يُستخدم (وفقاً للتحقيقات) كأداة للسيطرة والابتزاز وضمان ولاء نخب سياسية واقتصادية.
ـ هنا، تتحوّل المرأة إلى “رأس مال اجتماعي” يستخدمه الرأسمالي (إبستين) لتعزيز نفوذه وتثبيت شبكة علاقاته مع أصحاب المليارات ورؤساء الدول.
ثالثاً: القانون والأخلاق أسلحة بيد الطبقة الحاكمة،
قال ماركس إنّ “القانون والأخلاق هي أسلحة في يد الطبقة الحاكمة”، حيث يتمّ:
*التستر والنفوذ: لعقود، استطاع إبستين الإفلات من العقاب بفضل ثروته وعلاقاته. هذا يؤكد فكرة ماركس بأنّ “العدالة” في النظام الرأسمالي ليست عمياء، بل هي منحازة لمن يملك “وسائل الإنتاج” والنفوذ.
*ازدواجية المعايير: بينما يروّج النظام الرأسمالي لقيَم “الأسرة” و”الحرية الفردية”، كشفت الفضيحة أنّ النخبة التي تقود هذا النظام تمارس في الخفاء أقصى أنواع الاستغلال والعبودية الحديثة.
رابعاً: المال يقلب الحقائق،
في كتاباته المبكرة (مخطوطات 1844)، تحدّث ماركس عن أنّ “المال هو الكيان الذي يقلب الحقائق”؛ فهو يحوّل القبح إلى جمال، والباطل إلى حق، والاستعباد إلى “اتفاق رضاء”. في قضية إبستين، تمّ استخدام الفقر والحاجة المادية للضحايا لإجبارهن على الدخول في هذه الشبكة، مما يحوّل “الاختيار” إلى مجرد وهم تفرضه الحاجة الاقتصادية.
لكن فضيحة إبستين تكشف وتفضح الأخلاق المنحلة للرأسمالية المسيطرة على السلطة والاقتصاد…
انّ النقطة المركزية التي كان ماركس يحاول إثباتها هي انّ الأخلاق ليست مجرد “اختيارات فردية”، بل هي انعكاس للنظام الاقتصادي والطبقي.
فضيحة إبستين لا تكشف فقط عن انحراف شخص، بل تكشف عن “بنية” النظام الرأسمالي وانّ هذا “الانحلال” إنما هو جزء لا يتجزأ من الرأسمالية:
1 ـ المال فوق المحاسبة،
في النظام الرأسمالي، يصبح تراكم رأس المال هو القيمة العليا. عندما يمتلك شخص مثل إبستين ثروة هائلة، فإنه يمتلك معها القدرة على “شراء” الصمت، والقانون، وحتى الولاءات السياسية. هذا يحوّل الأخلاق من “مبادئ مطلقة” إلى “سلع قابلة للتفاوض”.
2 ـ الأخلاق المنحلة ثقافة الطبقة الرأسمالية،
وصف ماركس الدولة الرأسمالية بأنها “لجنة تدير الشؤون المشتركة للبرجوازية”. فضيحة إبستين أظهرت كيف أنّ السياسيين، ورجال الأعمال، والأكاديميين، والنخب الفنية كانوا جميعاً يتحركون في دائرة واحدة. هذا “التلاحم” يعني أنّ الأخلاق المنحلة ليست استثناءً، بل هي ثقافة الطبقة التي تشعر أنها فوق القوانين التي تضعها هي نفسها للعامة.
3 ـ إافقاد البشر قيمتهم الإنسانية،
في الرأسمالية، يتحوّل كلّ شيء إلى “شيء”.. في شبكة إبستين، تمّ التعامل مع أجساد النساء والفتيات كـ:
ـ رأس مال سياسي: لربط أصحاب النفوذ ببعضهم البعض عبر “أسرار مشتركة”.
ـ أداة استهلاك: تماماً مثل أيّ سلعة فاخرة (يخوت، طائرات، قصور). هذا هو “الانحلال” الذي تحدث عنه ماركس؛ عندما تفقد الكائنات البشرية قيمتها الإنسانية وتصبح مجرد “أدوات” في لعبة القوة والمال.
4 ـ تمزق القتاع الاخلاقي للرأسمالية،
الرأسمالية تحتاج دائماً إلى “قناع أخلاقي” لتستمرّ. هي تروّج عبر الإعلام للمساواة، وحقوق المرأة، والحرية. لكن فضيحة إبستين مزقت هذا القناع لتكشف أنّ هذه القيم تُطبق فقط على “الفقراء” أو في “الخطابات الرسمية”، بينما في الغرف المغلقة، تحكم قوانين الغابة المادية.
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول، إنّ هذه الفضائح ليست “أخطاء في النظام”، بل هي “جوهر النظام الرأسمالي” عندما يصل إلى مرحلة التركز الشديد للثروة والسلطة. فما دام المال هو مقياس كلّ شيء، ستظلّ الأخلاق دائماً تابعة لمن يملك المحفظة الأكبر…
اخبار سورية الوطن2_وكالات _البناء
syriahomenews أخبار سورية الوطن
