آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » “إيناس لطوف”.. الصوت الأوبرالي من وهج المسرح إلى نبض الكورال

“إيناس لطوف”.. الصوت الأوبرالي من وهج المسرح إلى نبض الكورال

 

 

بقلم: علي نفنوف

 

ثمة أصوات لا تعبر في حياتنا مرور العابرين، بل تستقر في الداخل بهدوء، وتبني علاقتها مع المستمع من دون استئذان. هكذا بدا صوت إيناس لطوف منذ البدايات؛ صوت لا يعتمد على الصخب، ولا يستند إلى الاستعراض، بل يتكئ على ثقة داخلية وإحساس عميق يجعل النغمة تبدو كأنها تعرف طريقها قبل أن تخرج.

في سنوات المدرسة، حين كانت ما تزال طالبة، كان واضحًا أن في هذا الصوت شيئًا مختلفًا. لم يكن مجرد خامة جميلة، بل حضور يفرض نفسه بهدوء. يومها كتبت عنها في جريدة «الوحدة» في سوريا، وكانت في بداياتها تمامًا، لم تكن قد وقفت على مسارح كبيرة، ولم تكن الكاميرات قد اقتربت منها بعد. كان ذلك المقال أشبه بالتقاط لحظة أولى لصوت يتشكل، وكان شعورًا خاصًا أن ترى الموهبة وهي ما تزال في طور التفتح، قبل أن يلامسها الضوء الواسع.

مع دخولها المعهد العالي للموسيقى، واختيارها الغناء الشرقي، بدأت الموهبة تأخذ شكلها الأكثر وضوحًا. الدراسة لم تبدّل روحها، بل صقلت أدواتها. تعلمت كيف تدير النفس، وكيف تبني الجملة الغنائية بتدرّج هادئ، وكيف تمنح الطبقات العالية ثباتًا من دون قسوة. في حديثها كانت تميل إلى القول إن الغناء ليس قوة صوت فقط، بل مسؤولية إحساس، وإن التقنية إن لم تخدم المعنى تفقد قيمتها.

عندما ظهرت في برنامج «ذا فويس»، بدا حضورها امتدادًا طبيعيًا لما سبق. لم يكن الأمر قفزة مفاجئة، بل محطة جديدة في مسار طويل. اتساع صوتها، وقدرتها على الإسقاط، وثبات النغمة في المساحات العالية، منح أداءها ملمحًا قريبًا من الروح الأوبرالية، من دون أن تنفصل عن الطرب الشرقي الذي يشكّل هويتها. كانت تبني الغناء كما تُبنى الحكاية: تبدأ بهدوء، ثم تصعد تدريجيًا حتى تبلغ الذروة، قبل أن تعود إلى القرار بثقة ونعومة.

في أعمالها الخاصة مثل «بعتلك سلامي»، «يا عين لا تبكي»، و«سوا»، وفي تجديدها لبعض الأغاني التراثية، بدا حرصها واضحًا على الحفاظ على خط فني لا يساوم على الأصالة. حفلاتها في دمشق وطرطوس واللاذقية، ومشاركاتها في دار الأوبرا، ثم حضورها في مهرجانات خارج سوريا، رسمت مسارًا متدرجًا يفضّل الثبات على الضجيج، ويضع الصوت في المركز دائمًا.

واليوم تضيف إلى تجربتها مشروعًا في طرطوس يحمل اسم «كورال ست الكل»، وهو مشروع يبدو امتدادًا لرغبتها في الاحتفاء بالصوت الأنثوي القادر على حمل التراث وإعادة تقديمه بروح معاصرة، من دون التخلي عن الجذور. اختيار طرطوس يمنح المشروع بعدًا مكانيًا حميمًا، ويعيد وصل التجربة بجمهور رافق خطواتها منذ محطات سابقة.

هكذا تمضي الحكاية: من طالبة لفتت الانتباه في باحة المدرسة، إلى فنانة تمتلك مشروعها الخاص. ما تغيّر هو اتساع المسار، أما الجوهر فبقي كما هو؛ صوت يعرف طريقه، يكبر على مهل، ويترك في الذاكرة أثرًا لا يزول.

 

ذهب عتيق

 

ثمة زاوية لا يمكن تغافلها حينما نكتب عن إيناس لطوف، وهي علاقتها بالموسيقي والملحن السوري الكبير مهدي إبراهيم، ذلك الاسم الذي ارتبط طويلًا بمشاريع فنية اعتمدت على اكتشاف الأصوات الشابة والعمل على تطويرها ضمن رؤية تستند إلى الموروث الموسيقي السوري.

خلال زياراتي المتكررة، كصحفي، إلى مكتب مهدي إبراهيم، تعرّفت على عدد من الأصوات المحلية التي كان يعمل عليها، ومن بينها صوت الطفلة آنذاك إيناس لطوف، التي كانت ما تزال طالبة في المدرسة، وقد لفتت الانتباه بموهبتها الغنائية المبكرة.

مرت السنوات، وأخذتنا الأيام كلٌّ إلى مساره، قبل أن أسمع لاحقًا عن فعالية بعنوان «ذهب عتيق» جمعت مهدي إبراهيم بالفنانة إيناس لطوف برعاية وزارة الثقافة السورية. غير أن الأجمل، بنظري، لم يكن في عنوان الحفل فقط، بل في رمزيته؛ فالأستاذ مهدي إبراهيم، والفنانة المتألقة إيناس لطوف، كانا هما «الذهب العتيق» الحقيقي.

أما تلك الأيام التي جمعتهما، وتعرّفت إليهما فيها عن قرب، فهي ذهبي الشخصي أيضًا؛ ذاكرة مهنية وإنسانية لا تُقاس بالزمن، بل بقيمة اللقاء.

ومن هنا، أستغل هذه المناسبة، عبر هذا المقال في موقع “اخبار سوريا الوطن”عن الفنانة الرائعة إيناس لطوف، لأقدّم تحية شكر ومحبة لها، وللفنان الكبير مهدي إبراهيم، متمنيًا لهما دوام الإبداع والنجاح، لأنهما، ببساطة، عنوان لسوريا حين تنبض بالفن والحب.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بعد 7 مجموعات سابقة: صدور الأعمال الكاملة الأولى للشاعر مصطفى عثمان وروايته “ارواد..أقاصيص الشراع” قيد الطبع

  متابعة:هيثم يحيى محمد صدرت منذ أيام الأعمال الكاملة الاولى للقبطان الشاعر المميز مصطفى عثمان عن دار الرؤية الجديدة بدمشق التي شاركت بها ضمن جناحها ...