سعيد محمد
عشية دخول الحرب الروسية – الأوكرانية عامها الخامس، بدأت سلطات كييف في صياغة خطط عملية لإجراء انتخابات رئاسية واستفتاء شعبي حول اتفاق تسوية محتمل مع موسكو. وتأتي هذه الخطوة استجابة لضغوط مكثّفة تمارسها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي حدّدت الخامس عشر من أيار/ مايو المقبل موعداً نهائياً لإنجاز هذا الاستحقاق، راهنةً استمرار الدعم وتوفير الضمانات الأمنية بالالتزام بذلك الجدول الزمني. وتشير معلومات استقتها الصحف من دوائر القرار في العاصمة الأوكرانية والعواصم الغربية، إلى أن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يعتزم الإعلان، في الرابع والعشرين من شباط/ فبراير – وهو التاريخ الذي يوافق الذكرى السنوية الرابعة لبدء الحرب – عن خارطة طريق سياسية جديدة، تهدف إلى تلبية المطلب الأميركي بطيّ صفحة الحرب بحلول حزيران/ يونيو، حتى يتسنّى للبيت الأبيض التفرّغ لانتخابات التجديد النصفي الأميركية المقرَّرة في تشرين الثاني/ نوفمبر.
وتضغط واشنطن في اتّجاه حَزم الملفات العسكرية والسياسية في «سلّة واحدة»؛ إذ أبلغت الإدارة الأميركية، الجانب الأوكراني، بأن توقيع اتفاقية الضمانات الأمنية الثنائية يظلّ مرهوناً بإنجاز اتفاق السلام الشامل مع موسكو، وإضفاء الشرعية الشعبية عليه عبر صناديق الاقتراع. وعليه، يواجه الرئيس الأوكراني معادلة سياسية بالغة التعقيد؛ وهو إذ يبدي انفتاحاً على الجدول الزمني الأميركي، فإنه يصّر على «تلازم المسارات»، الأمر الذي أكده في تصريحات حديثة له، اعتبر فيها أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع يتطلّب توافر شرطَين أساسيَين: وقف إطلاق النار الفعلي، وحصول أوكرانيا على ضمانات أمنية ناجزة. ويرى زيلينسكي أن إجراء الانتخابات يظلّ ممكناً «إذا توافرت الإرادة وتوقّف القتال»، مشيراً إلى إمكانية إنهاء الأعمال العدائية بحلول الصيف في حال وافقت موسكو على ذلك، في ما يمثّل تحولاً عن تصريحات سابقة عدّت الانتخابات متعذّرة في ظلّ الأحكام العرفية السارية منذ بداية الحرب، والتي تحظر دستورياً إجراء الاستحقاقات الانتخابية.
وإذ تخشى كييف من استغلال موسكو غياب الانتخابات للطعن في شرعية زيلينسكي، الذي انتهت ولايته الدستورية رسمياً في أيار/ مايو 2024، واستمرّ في منصبه بحكم حالة الطوارئ والحرب، فإن هذه الأخيرة تفرض تحدّيات لوجستية ودستورية هائلة أمام طموح إجراء الانتخابات والاستفتاء هذا الربيع. فمع وجود قرابة 20% من الأراضي الأوكرانية تحت السيطرة الروسية، ونزوح 3.7 ملايين مواطن داخلياً، ولجوء 6 ملايين آخرين إلى الخارج، تواجه لجنة الانتخابات المركزية مهمّة شاقة لضمان مشاركة هؤلاء في التصويت. ويُضاف إلى ذلك، صعوبة تأمين مراكز الاقتراع في المدن التي تتعرّض لقصف يومي، وتحدّي مشاركة مئات الآلاف من الجنود المرابطين في الخنادق على خطوط الجبهة.
يبدو أن الأسابيع القليلة المقبلة ستحمل محطّات مصيرية ترسم ملامح مستقبل البلاد لعقود قادمة
والأخطر من ما تقدّم، أن استطلاعات الرأي تُظهر تحوّلات جوهرية في المزاج الشعبي الأوكراني؛ فبينما كانت الغالبية العظمى ترفض التنازل عن أيّ شبر من الأراضي، تشير بيانات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» لشهر شباط/ فبراير 2026، إلى أن 40% من الأوكرانيين باتوا يؤيدون فكرة التخلّي عن منطقة دونباس مقابل الحصول على سلام دائم وضمانات أمنية غربية قوية. ويعكس هذا الرقم تزايد حالة الإرهاق من الحرب، خصوصاً وسط استمرار الهجمات الروسية المكثّفة على البنية التحتية للطاقة، والتي أغرقت مدناً كاملة في الظلام والبرد القارس. ومع ذلك، تظلّ نسبة كبيرة من السكان تتمسك بخيار المقاومة الكاملة، ما يجعل نتيجة الاستفتاء المقترح حول اتفاق السلام محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج. أمّا في خصوص الانتخابات الرئاسية، وفي حال نجاح مساعي عقدها، سيجد زيلينسكي نفسه أمام منافسة شرسة؛ إذ تشير تقديرات خبراء إلى تراجع شعبيّته إلى ما دون الـ60%، وهي نسبة تظلّ مرتفعة، لكنها تقلّ كثيراً عن معدّلات الإجماع الوطني التي حظي بها في بداية الحرب. ويبرز اسم الجنرال فاليري زالوجني، القائد السابق للجيش وسفير أوكرانيا الحالي في المملكة المتحدة، كمنافس قوي يتمتّع بشعبية جارفة ومصداقية عالية لدى المؤسسة العسكرية والشارع على حدّ سواء. وتُظهر الاستطلاعات تقارباً في الفرص بين الرجلين، ما يعني أن زيلينسكي يخوض «معركة بقاء سياسي» بالتوازي مع معركته العسكرية.
من جهتها، تقف أوروبا في موقع المراقب القلق من سرعة التحرّكات الأميركية؛ إذ بينما تتّفق عواصم القارة الرئيسية على ضرورة إنهاء الحرب، فإنها تخشى من فرض تسوية متسرّعة قد تمنح روسيا انتصاراً استراتيجياً. كما إن فرنسا خصوصاً، تسعى، عبر قنوات ديبلوماسية خلفية ومبعوثين إلى موسكو، إلى الحفاظ على دور أوروبي في صياغة الترتيبات النهائية، خاصة أن العبء الأكبر لإعادة الإعمار وحفظ السلام سيقع على عاتق الاتحاد الأوروبي. وفي ما يتّصل بالانتخابات، يشدّد القادة الأوروبيون على ضرورة أن تكون أيّ انتخابات أوكرانية حرة ونزيهة، وأن تتمّ تحت رقابة دولية صارمة، لضمان شرعية النتائج واستقرار النظام السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
ويأتي كلّ ما تقدّم على وقع استمرار الهجمات العسكرية التي تزداد حدّة؛ إذ شنّت القوات الروسية، أخيراً، هجمات صاروخية واسعة النطاق استهدفت كييف ودنيبرو ومرافق الطاقة الحيوية، وهو ما يؤكد سعي الكرملين إلى فرض واقع ميداني ضاغط قبل الجلوس النهائي على طاولة المفاوضات، في حين ردّت أوكرانيا على ذلك بتعزيز دفاعاتها الجوية حول العاصمة، وتكثيف الضربات بالمسيّرات في العمق الروسي، في محاولة لتحسين شروط التفاوض وإظهار القدرة على الصمود.
وهكذا يقف النظام الأوكراني اليوم أمام استحقاق وجودي يجمع بين صناديق الاقتراع وساحات القتال، في وقت يبدو فيه أن التوجّه نحو الانتخابات والاستفتاء وسط هذه الظروف سيكون بمنزلة مغامرة سياسية كبرى، قد تؤدّي إمّا إلى تجديد الشرعية وتوحيد الصفوف خلف خيار السلام الصعب، أو إلى تعميق الانقسامات الداخلية. وعلى أيّ حال، يبدو أن الأسابيع القليلة المقبلة ستحمل محطّات مصيرية ترسم ملامح مستقبل البلاد لعقود قادمة، ولا سيما في ظلّ الرغبة الدولية المتزايدة في إسدال الستار على الفصل الأكثر دموية في تاريخ أوروبا الحديث.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
