آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » عندما يغيب الإنجاز: قراءة في مخرجات ميونخ 62..خطاب متقدّم… ونتائج مؤجَّلة!

عندما يغيب الإنجاز: قراءة في مخرجات ميونخ 62..خطاب متقدّم… ونتائج مؤجَّلة!

 

 

د. سلمان ريا

 

انعقدت النسخة الثانية والستون من Munich Security Conference في ظرف دولي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع التحولات في موازين القوى العالمية مع أزمات الشرق الأوسط الممتدة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتداعيات الصراعات الإقليمية. واختار المؤتمر شعارًا لافتًا: «البناء على الزخم – من الوعد إلى التقدم». وهو شعار يحمل قدرًا من الواقعية السياسية، لكنه يثير في الوقت ذاته سؤالًا مشروعًا حول طبيعة هذا «التقدّم» وحدوده الفعلية.

 

من الواضح أن النقاشات في ميونخ هذا العام اتسمت بلهجة أقل اندفاعًا وأكثر حذرًا. لم يعد الحديث يدور حول تسويات كبرى وشيكة، بل حول إدارة المخاطر ومنع الانفجار وتهيئة المناخات السياسية. هذا التحول في الخطاب يعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الدولية بأن المنطقة لم تعد تحتمل رهانات مرتجلة أو حلولًا مفروضة من الخارج، وأن الاستقرار بات مرتبطًا بمعالجات تدريجية تراعي تعقيد الواقع الإقليمي وتشابك المصالح.

 

في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، برز إجماع لفظي على ضرورة تثبيت التهدئة وتوسيع الدعم الإنساني وفتح أفق سياسي متعدد الأطراف. غير أن ما طُرح بقي في إطار إعادة تحريك المسار، لا إعادة صياغته جذريًا. لم يُعلن عن إطار زمني ملزم، ولا عن ضمانات واضحة تكفل الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلّها. وهذا يعني أن المجتمع الدولي لا يزال يفضل مقاربة الاحتواء المرحلي على مقاربة الحسم السياسي، وهو خيار قد يكون مفهومًا من زاوية توازنات القوى، لكنه لا يلبي تطلعات شعوب المنطقة إلى تسويات عادلة ومستقرة.

 

أما في الملفات الإقليمية الأخرى، ومنها التوترات المرتبطة بإيران وترتيبات الأمن الإقليمي، فقد ساد مناخ استكشاف الإمكانات وفتح قنوات التواصل، من دون الإعلان عن تفاهمات نوعية جديدة. يمكن اعتبار ذلك خطوة ضرورية لتخفيف التصعيد، إلا أنه يظل في إطار التحضير لا الإنجاز. فالتقدم الحقيقي يُقاس بقدرة الأطراف على تحويل النوايا إلى التزامات واضحة، لا بالاكتفاء بإدارة التباينات.

 

في المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية إعادة إدراج الشرق الأوسط في صدارة الاهتمام الدولي، ولا من قيمة الحفاظ على منصات الحوار في مرحلة تتسم باضطراب النظام الدولي وتراجع الثقة بين القوى الكبرى. إن مجرد الاعتراف بأن استقرار المنطقة جزء لا يتجزأ من الاستقرار العالمي يشكل عنصرًا إيجابيًا، خاصة في ظل محاولات سابقة لتهميش بعض ملفاتها أو اختزالها في أبعاد أمنية ضيقة.

 

من زاوية سورية تحديدًا، يكتسب هذا النقاش بعدًا إضافيًا. فاستقرار الإقليم لا يمكن أن يتحقق من دون مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمات، وتحترم سيادة الدول، وتدعم مسارات الحلول السياسية الوطنية بعيدًا عن الضغوط الانتقائية والمعايير المزدوجة. وإذا كان مؤتمر ميونخ قد أعاد التأكيد على أهمية الحلول السياسية وخفض التصعيد، فإن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه المبادئ إلى سياسات متوازنة تحترم خصوصيات الدول وتدعم حق شعوبها في الأمن والتنمية.

 

في المحصلة، يمكن القول إن ميونخ 62 مثّل محطة لإعادة التموضع وإعادة ترتيب الأولويات، أكثر مما كان لحظة إنجاز حاسم. التقدّم الذي تحدّث عنه المشاركون هو تقدّم في مستوى التنسيق والخطاب، لا في مستوى التسويات النهائية. غير أن هذا التقدّم، إن أُحسن استثماره، قد يشكل أساسًا لمسار أكثر جدية في المرحلة المقبلة.

 

بين الوعد والإنجاز مسافة تتطلب إرادة سياسية ثابتة، وقرارات شجاعة، والتزامًا فعليًا بالقانون الدولي ومبادئ العدالة. والمنطقة، بما تحمله من تاريخ وتحديات، لا تحتاج إلى عناوين براقة بقدر ما تحتاج إلى خطوات عملية تضع حدًا لدورات التصعيد المتكررة. عندها فقط يمكن أن يتحول «التقدّم» إلى إنجاز حقيقي ينعكس أمنًا واستقرارًا على شعوب الشرق الأوسط كافة.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحديات المرحلة التالية بعد توحيد الدولة

  عبد الرحمن الحاج       بحلول نهاية عام 2024 كانت سوريا قد صارت بلداً منهكاً إلى حدّ الانهيار الشامل: أجزاء كبيرة من المدن ...