آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » هل السلطة السورية انتقالية أم دائمة؟

هل السلطة السورية انتقالية أم دائمة؟

 

غسان المفلح

 

سوريا كلها في مرحلة انتقالية لبناء دولة جديدة، أو ما يمكننا تسميته الجمهورية الثالثة. في الواقع، هذا العنوان لا يزال يثير الإشكاليات في التعاطي معه أو مقاربته. هذه المادة غير معنية بما يقوله مؤيدو السلطة بوصفها دائمة، ولا بما يقوله معارضوها بوصفها انتقالية أو يجب إسقاطها.

 

منذ الأيام الأولى للتحرير أكدت أن السلطة التي أتت هي سلطة فوق سورية. هذا يطرح سؤالاً: كيف تتحول إلى سلطة سورية لدولة جديدة؟ هذا السؤال كنت ولا أزال أعتقد أنه يشكل العامل الحاسم في مستقبل البلد. ما جرى ببساطة يجمع “نقيضين” في المشهد الدولي عموماً والسوري خصوصاً، بعد ثورة استمرت لخمسة عشرة عاماً.

 

الطرف الأول حمولة دولية بزعامة أميركا كانت تعتبر هيئة تحرير الشام وكثير من الفصائل المشاركة بعملية ردع العدوان بوصفها فصائل إرهابية، وهذه تشكل الطرف الثاني بعدما صار في السلطة.

 

هذا المشهد كان في لحظة ما بالنسبة للسوريين جميعاً، مشهداً “من المستحيل التفكير فيه” وخارج نطاق الفعل المعرفي والأيديولوجي والسياسي، باستثناء قادة هيئة تحرير الشام. إذاً، نحن بتنا منذ اليوم الأول أمام طرف دولي يريد تبريد الملف السوري لاعتباراته المصلحية الخاصة، وأطراف داخلية، منها هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها.

 

منذ تلك اللحظة والعامل الدولي حاضر في كل تفصيل وملف، سواء كان سهلاً أو معقداً. هذا الحضور ليس حضوراً أدبياً فقط، بل حضوراً مصحوباً بقوة سياسية وعسكرية واقتصادية وقانونية. هنالك قواعد أميركية وروسية وغيرها. بدأت التناقضات تطفو على السطح السوري الملتهب حقيقة بين الفرح بسقوط الأسدية، وبين خوف السوريين كل من موقعه.

 

الأهم في هذه التناقضات، وفقا لهذا السياق، هو تصرف السلطة في كثير من المحطات، بخلاف عقيدتها الأيديولوجية الآتية منها. هذا كان بتوافقات محددة مع الحمولة الدولية أو مع أحد أطرافها. لهذا، لا تزال مقولة “السلطة منبطحة مع الخارج ومتشددة مع الداخل” سارية المفعول عند كثر من النخب السورية. بالنسبة لي، كان الموضوع يتعلق بأننا أمام سلطة ما فوق سورية، تحاول أن تكون سورية، وفقا لإنتاج وإعادة إنتاج هذه السلطة وأدواتها على كافة المستويات.

 

من التناقضات الطريفة مثلاً: أن إدارة الشؤون السياسية في سوريا تتبع لوزارة الخارجية وللسيد الوزير شخصياً، التي يراها بعضهم أنها ستتحول شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه “حزب البعث”؛ بحيث تقوم على مراقبة كل شيء في محاولة لضبط الأمور، وفق ما ترغب به السلطة الحاكمة، وتسوق له.

 

هذه مفارقة تؤكد ما ذهبت إليه، أن السلطة وإعادة إنتاجها محصورة في التمفصل بين قادة الهيئة وبين الحمولة الدولية. ربما لأول مرة في التاريخ السياسي للعالم، تكون وزارة الخارجية ووزيرها مسؤول مباشرة عن الوضع السياسي الداخلي في البلد. ببساطة لأن السيد الوزير هو في قلب القرار من جهة، وهو الذي يدير التواصل اليومي مع هذه الحمولة الدولية من جهة أخرى.

 

المفارقة الثانية أن قسماً كبيراً من العسكريين في السلطة أو جيشها أو جهاز أمنها، أتوا من منبت إسلامي متشدد. هذا بدأ يتضح مباشرة بعد التحرير في كثير من الظواهر. إضافة إلى المقاتلين الأجانب. المفارقة هنا أن الحمولة الدولية تريد إنهاء هذا الملف نهائياً داخل سوريا، سواء بالقوة العسكرية للسلطة الجديدة أو بالاحتواء المتدرج.

 

هذا التشدد في الواقع لم يعره العامل الدولي الفاعل أي اعتبار، أي لم يأخذ ما يقال من قبل سوريين عن هذا الملف. بقي ملفاً يدار أمنياً وسياسياً بين الحمولة الدولية والكتلة الصلبة من السلطة حتى الآن. يمكننا أن نذكر عدة أمثلة: تعامل هؤلاء مع أحداث الساحل والانتهاكات المريرة هناك، ثم أتى ملف السويداء الذي شكل جرحاً عميقاً في الانتقال السوري، السلطة نفسها لم تكن تتوقعه.

 

إضافة إلى حوادث ذات مغزى يجب الوقوف عندها: قتل جنود أميركيين في تدمر من عنصر من عناصر الأمن العام اتضح انتماؤه لداعش. كذلك ما حدث في قرية المتون التابعة للريف الشمالي في السويداء، الذي راح ضحيته عدة شباب تم إعطاؤهم الأمان ثم غدر بهم عنصر قتل من قتل وجرح من جرح، لكنه بهذه الجريمة أعاد ملف السويداء للمربع الأول من الاستقطاب داخل المجتمع السوري.

 

قلت في مقالي الأخير على هذا المنبر: على السلطة أن تنظف نفسها من هذا التيار، خاصة في أجهزة القوة التي تتبع لها. هنا عودة للإشارة ربما لا تعجب أحداً، لكن من المهم القول: أن الدول الراعية للسلطة تعرف هذا الأمر وتتابعه عن كثب وتريد إنهاءه. ضمناً، هي تبرئ السلطة من عناصرها هذه، في مفارقة تبدو محزنة لكنها حقيقية. الحقيقي الأكثر أن هنالك مشايخ متشددين يتحركون في الجوامع، وكثير من الأمكنة حتى داخل الجيش والأمن. هذا ما لاحظناه في بعض الاستعراضات العسكرية والشعارات التي رفعت بها. هؤلاء المشايخ لهم دين سياسي مواز.

 

مثال آخر؛ هل رفع السبابة من قبل بعض جنود السلطة عندما دخلوا الحسكة، تأتي من تعليمات الجيش أم من مكان آخر؟ إصرار بعضهم ممن لديه موقع في الدولة أو السلطة أن تناديه الناس بالشيخ! ليعطي انطباعا أننا أمام سلطة مشايخ ودولة مشايخ نسير نحوها. هذا ثقل خطير على السلطة والشعب السوري يجب إنهاءه.

 

ثم ماذا يعني أن تحتفل قطعة من قطعات الجيش بحفظ آيات من القرآن من قبل جنودها؟ هل هم جنود سوريون أم جنود المشايخ الذين أقاموا هذه الاحتفالية؟ إنهم حمل ثقيل على السلطة قبل الجميع. منهم من يعرف هذا ولا يزال مستمراً في توجهه الخطر. لهذا، ستبقى هذه السلطة من جهة انتقالية حتى يعم السلم الأهلي، ومن جهة أخرى “دائمة” فيما تنوي القيام به، وما تقوم به في إعادة بناء الدولة الجديدة التي تتضح معالمها يوما بعد يوم، سواء أعجبنا الأمر أم لا.

 

وفقا لهذا التمفصل الدولي والإقليمي والداخلي السوري. السلطة دائمة من حيث توضعها في هذا السياق لا من حيث شخوصها. فكيف سيتوضع هذا التمفصل سورياً؟ نترك الحديث عنه للأيام القادمة.

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميونخ تجمع دمشق وقسد.. ماذا تحمل صورة الشيباني وعبدي من دلالات؟

فتحَ لقاء وزير الخارجية السوري  أسعد الشيباني مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد، خلال مشاركتهم على هامش أعمال مؤتمر ميونخ للأمن ...