شفيق طبارة
بينما تشتعل الأزمة السياسية بانسحاب الناشطة والكاتبة الهندية أرونداتي روي احتجاجاً على «حياد» فيم فندرز تجاه غزة، يواجه «مهرجان برلين السينمائي الدولي» مأزقاً فنياً عميقاً: مسابقة رسمية باهتة وأفلام دون المستوى. وسط هذا الركود، برز كريم عينوز بفيلمه الصادم «تقليم شجيرة الورد» وليلى بوزيد بـ «بيت الحس»، ليشكلا الاستثناء الوحيد في دورةٍ يصارع فيها الفن لإثبات جدواه أمام صخب الشعارات والرقابة التقنية
لا تزال غزّة تفرض حضورها على كلّ مساحة ثقافية تدّعي الانشغال بالإنسان. وفي هذا السياق، يجد «مهرجان برلين السينمائي الدولي» نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة. فالمهرجان الذي اعتاد عبر تاريخه أن يكون على تماس مباشر مع الأسئلة الأخلاقية والسياسية الأكثر إلحاحاً، يعود اليوم ليواجه اختباراً جديداً يكشف حدود الخطاب الثقافي حين يلامس جرحاً مفتوحاً بهذا الحجم.
انسحاب أرونداتي روي
هذا العام، انفجرت الأزمة بعد إعلان الروائية والناشطة الهندية أرونداتي روي عن انسحابها من الدورة 76 من المهرجان المستمرة حتى 22 شباط (فبراير)، احتجاجاً على امتناع رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فندرز، عن التعليق على ما يحدث في الشرق الأوسط.
وأوضحت روي عبر بيان نشرته دار نشرها أنّ مشاركتها لم تعد ممكنة «بسبب التصريحات الصادمة» التي صدرت عن لجنة التحكيم حين طُلب منها التعليق على حرب غزة. بالنسبة إليها، بدا الأمر أشبه بمحاولة إغلاق باب النقاش حول «جريمة تُرتكب أمام أعين العالم»، في لحظة ترى فيها أنّ مسؤولية الفنانين والكتّاب وصنّاع السينما هي رفع الصوت لا خفضه.
المشهد الذي فجّر الأزمة وقع خلال المؤتمر الصحافي الافتتاحي للجنة التحكيم. أحد الصحافيين وجّه سؤالاً مباشراً لأعضاء اللجنة، متهماً المهرجان بإظهار تضامن انتقائي، بين دعم معلن لـ «شعوب» إيران وأوكرانيا، وصمت تام تجاه الفلسطينيين. ثم سأل فيندرز عمّا إذا كان هذا الصمت مبرّراً، خصوصاً أنّ «الحكومة الألمانية، الداعمة للمهرجان، متّهمة بدعم الإبادة في غزّة». ردّ فندرز كان حاسماً: «لسنا هنا لمناقشة السياسة. السينمائيون قوة موازنة، لا امتداد للسلطة. نحن نخدم الناس، لا السياسيين». من جهتها، رأت إيفا بوشتشينسكا، عضوة اللجنة ومنتجة فيلم «منطقة الاهتمام» (2023) الذي يتناول الهولوكوست، أنّ السؤال «غير منصف»، مؤكدة على أنّ السينما قادرة على إثارة التفكير والتعاطف، لكنها لا تستطيع أن تتحمّل مسؤولية مواقف الجمهور السياسية. بالنسبة إليها، «الأخبار والسياسة تفتقران إلى التعاطف، أما الأفلام فتبنيه».
قطع البثّ فجأة
ولم يزد الوضع إلا التباساً انقطاع البث المباشر للمؤتمر قبل انتهاء السؤال الموجّه للجنة، ما أثار موجة تكهنات حول الرقابة. لكنّ إدارة المهرجان سارعت إلى نفي ذلك، متحدثةً عن «خلل تقني» ووعدت بنشر التسجيل الكامل قريباً، وهذا ما حدث.
لم تتوقف الأزمة عند حدود لجنة التحكيم. فقد أعلنت «سيماتك» (مركز للسينما البديلة) بالتنسيق مع ورثة المخرجين عطيات الأبنودي وحسين شريف، عن سحب أفلامهما المرمّمة من البرنامج، استجابةً لدعوة «مؤسسة الفيلم الفلسطيني»، الذي لا يزال بعض أعضائه متواجدين في المهرجان، إلى مقاطعته. هكذا تحوّل البرلينالي، مرة أخرى، إلى ساحة مواجهة بين الفن والسياسة، بين ما يُقال وما يُمنع قوله، وبين مهرجان يسعى إلى الحفاظ على صورته الدولية وفنانين يرون أنّ الصمت لم يعد خياراً.
فيم فندرز… صمت على إبادة العصر
بدا موقف فيم فندرز، حين دعا إلى إبقاء السينمائيين خارج السياسة، امتداداً لخطاب أوروبي قديم يرفع شعار «استقلالية الفن» لكنه يتحوّل في لحظات الأزمات إلى ما يشبه انسحاباً أخلاقياً. لم يتحدث فندرز من فراغ، بل في سياق ألماني شديد الحساسية تجاه كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، حيث تميل المؤسسات الثقافية إلى تجنّب أي موقف قد يُقرأ كاصطدام مع الخطاب الرسمي. مع ذلك، فإنّ إصراره على أن الفنانين «قوة موازنة للسياسة» بدا متناقضاً مع ممارسات المهرجان نفسه، الذي سبق أن عبّر عن تضامن واضح مع قضايا أخرى مثل إيران وأوكرانيا، ومتناقضاً مع تاريخ فندرز نفسه وسينماه التي هي سياسية في مكان ما، وهو الذي قال مرةً: «كلّ فيلم يحمل في طياته بُعداً سياسياً. لكن أكثر الأفلام سياسيةً هي تلك التي تتظاهر بعكس ذلك».
يستند فيلم «تقليم شجيرة الورد» لكريم عينوز، إلى روح فيلم ماركو بيلوكيو الكلاسيكي «قبضات في الجيوب»
هذا التناقض هو ما جعل كلامه يُقرأ ـــ لدى كثيرين ـــ كنوع من الانتقائية أو محاولةً لإغلاق باب النقاش في لحظة تتطلب انفتاحاً أكبر. مع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ المهرجانات الكبرى تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ساحات لاصطياد «السكوب» أكثر منها فضاءات للنقاش الهادئ، حيث تُطرح الأسئلة أحياناً ليس بحثاً عن موقف أخلاقي، بل سعيٌ إلى انتزاع تصريح مثير ينتشر على المنصّات.
ومن دون أن يكون ذلك دفاعاً عن فيندرز، كان واضحاً أنه رفض أن يُزجّ في هذا النوع من الفخاخ الإعلامية، وأن يُدفع إلى الإدلاء بجملة تُقتطع من سياقها وتتحول إلى عنوان. كان يمكن لجوابه أن يكون أعمق وأكثر حساسيةً وواضحاً أكثر، نعم، لكنه في الوقت نفسه بدا حذراً من الوقوع في لعبة «استدرار الموقف» التي باتت جزءاً من دينامية المؤتمرات الصحافية في المهرجانات، حيث يُعامل الفنانون أحياناً كمنابع تصريحات لا كصنّاع رؤية.
أزمة في المسابقة الرسمية
بعيداً من المؤتمر الصحافي وما أثاره من ضجيج، انطلق المهرجان وبدأت الأفلام تتوالى، لنكتشف أنّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في التصريحات ولا في المواقف، بل في السينما نفسها. مع الأيام الأولى للبرلينالي، بدا واضحاً أن المسابقة الرسمية تعاني من أزمة أعمق. أفلام ضعيفة، باهتة، لا ترقى إلى مستوى مهرجان يُفترض أنه أحد الأعمدة الثلاثة الكبرى في العالم. بعض الأعمال المعروضة حتى الآن لا تستحق ببساطة أن تكون في برلين، ما يطرح سؤالاً جدياً حول معايير الاختيار.
وسط هذا الركود، برز فيلمان فقط حتى الآن: «بيت الحسّ» للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، وفيلم «تقليم شجيرة الورد» لكريم عينوز، المخرج البرازيلي ذو الأصول الجزائرية، الذي يُعد حتى اللحظة أفضل ما عُرض في المهرجان، مبتعداً تماماً من مستوى الأعمال الأخرى. هذه الأزمة في تدنّي مستوى الأفلام ليست جديدة على برلين، فهي مشكلة تتكرر منذ ما قبل الجائحة، وتبدو اليوم أكثر وضوحاً وإلحاحاً. مع ذلك، يبقى الأمل معلقاً على الأيام المقبلة، لعلّها تحمل أفلاماً أكثر قوة، وتعيد شيئاً من بريق المهرجان الذي فقد الكثير من وهجه في السنوات الأخيرة.
«بيت الحسّ» يواجه رهاب المثلية
إذا كانت المخرجة التونسية ليلى بوزيد تمتلك موهبة تتكرر وتتأكد في كلّ عمل، فهي قدرتها على استكشاف العلاقات الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقاً. تعود في فيلمها الثالث «بيت الحسّ»، المشارك في المسابقة الرسمية، لتبرهن براعتها في التقاط تفاصيل التفاعل بين الناس: كيف يحبّون، وكيف يرغبون، وكيف يتواصلون ويتألمون. وفي الوقت نفسه، تواصل بوزيد مشروعها الذي تصرّ فيه على مواجهة رهاب المثلية وإدانته من داخل السينما نفسها.
تعود ليليا (آية بوترعة، بأداء عظيم) إلى تونس قادمة من فرنسا بعد وفاة عمّها. ترافقها أليس «الصديقة» الفرنسية التي تبقى في الفندق وتتجنّب حضور العزاء والجنازة، في إشارة مبكرة إلى المسافة التي تفصل بين حياتها في أوروبا وحياتها العائلية في بلدها الأم. حالما تصل ليليا إلى البيت وتلتقي بجدتها ووالدتها (هيام عباس، المتألقة دائماً) وعمتها، حتى تبدأ طبقات من حياة العمّ الراحل بالانكشاف. يظهر رجل غريب في المنزل، فتطرده الجدّة بعنف، ثم يتضح أن العمّ وُجد ميتاً وعارياً، وأن الشرطة التي تحضر لاحقاً للتحقيق لا تبحث فعلياً في سبب الوفاة بقدر ما تلاحق ما أثارته الوفاة من أسئلة حول حياته وهويته الجنسية.
هنا يبدأ الفيلم في رسم خطّين متوازيين: خطّ التحقيق الخارجي الذي تقوده الشرطة والعائلة، وخطّ التحقيق الداخلي الذي تخوضه ليليا مع نفسها. فالمسألة لم تعد تتعلق بعمّها فقط، بل بما يكشفه موته عن حياتها هي، وعن الهوية التي تخفيها عن عائلتها، وعن الخوف الذي يربطها به رغم اختلاف مصيريهما.
يخيّم على جزء كبير من الفيلم شعور بالمألوف. حبكة «العودة إلى الوطن ومواجهة أسرار العائلة» باتت من أكثر الثيمات استهلاكاً في سينما المهرجانات، ولا تبذل بوزيد جهداً كافياً لتفادي هذا الانطباع. فالمشاهد الوظيفية تبدو أقرب إلى كليشيهات جاهزة منها إلى بناء درامي حيّ. وحدها علاقة ليليا بوالدتها تمنح الفيلم طبقةً أكثر تعقيداً، إذ تكتشف تدريجاً أنّ الأم كانت أكثر انفتاحاً مما ظنّت، وأنها ربما كانت الحامية الصامتة للعمّ. لكن هذا لا يجعل الاعتراف سهلاً، ولا يضمن أنّ الحقيقة ستُستقبل بأمان.
مع أن الفيلم يبدأ بأسلوب رصين وبسيط يقدّم الشخصيات وعلاقاتها ببطء محسوب، إلا أنه يفقد بعضاً من قوته حين يستسلم لإغراء التصريح السياسي المباشر حول المحافظة والفساد والإجراءات القمعية في تونس، وتمجيد أوروبا وانفتاح فرنسا تحديداً. كما تتراجع عفويته حين يلجأ إلى ذكريات الطفولة والرؤى وأحلام اليقظة التي تقترب من الواقعية السحرية، فتبدو أحياناً دخيلةً على نبرة الفيلم الأساسية. مع ذلك، ينجو العمل بفضل حساسية بوزيد في تصوير النساء اللواتي تحبّهن وتحتفي بهن.
«تقليم شجيرة الورد»: انحلال أخلاقي كامل
منذ البداية، يعلن الفيلم عن هدفه، تفكيك عائلة أميركية برجوازية غارقة في الترف والسلطة والكسل، وتحويلها إلى مرآة لانحرافات النظام الذي صنعناه جميعاً. يحكي الفيلم قصة أربعة أشقاء يعيشون مع والدهم الكفيف في حالة بين اللامعنى والفراغ، محاطين بامتيازات الثراء التي تخفي بؤسهم خلف الزجاج الشفاف لمنزلهم الفخم. لكن هذا التوازن ينهار حين يعلن أحد الإخوة جاك (جيمي بيل) خطوبته على مارثا (أل فانينغ)، ويقرر مغادرة المنزل. عندها يبدأ الأخ إد (كالوم تيرنر) في تفكيك كل شيء، من العائلة إلى الأكاذيب، والواجهة التي حافظت عليها لسنوات. المفارقة أنّ إد (الراوي) لا يقرأ ولا يكتب، ويعترف بأنه يفضّل الكلام المنطوق، ما يجعل التعليق الصوتي نفسه جزءاً من العبث البنيوي للفيلم.
تستسلم ليلى بوزيد إلى التصريح السياسي المباشر حول الفساد في تونس و«حرّية» أوروبا
يستند فيلم «تقليم شجيرة الورد» لكريم عينوز، إلى روح فيلم ماركو بيلوكيو الكلاسيكي «قبضات في الجيوب» (1965 ـــ Fists in the Pocket) ومن سيناريو لإفثيميس فيليبو، الشريك الإبداعي الأبرز للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس. لذلك، لا يتردد الفيلم في الذهاب إلى أقصى الحدود. مشاهد جنسية دموية، زنا محارم، ذئاب تنهش، عنف فجّ، وتعليق صوتي لاذع يصف ببرود البؤس الكامن في النفوس. يرسم عينوز عالماً لأشخاص يملكون كل شيء، ومع ذلك ينزلقون إلى انحلال أخلاقي كامل، حيث تتشابك العلاقات العائلية مع التلميحات الجنسية والعنف والتبعية المدمّرة، في ديناميكية تتصاعد حتماً نحو الانفجار. كلّ هذا مع حوار جاف، فكاهة سوداء، وشخصيات تتحدث كأنّها لا تفهم بعضها، وعبث يقتحم الحياة اليومية بلا استئذان.
يثير الفيلم مشاعر متناقضة. موسيقى مبهرة، وأسلوب بصري نابض بالحياة، لكنه يعتمد على ما هو مشين لدفع السرد إلى الأمام. وإذا نظرنا إليه كعالم خيالي مغلق، فإنّ التواءات شخصياته تتحول إلى استكشاف مثير للسلطة والرغبة داخل أسرة أبوية متفسخة. أسلوب كريم عينوز في السرد قد يربك بعضهم، لكنه يظلّ قادراً على الحفاظ على نبرة ساخرة متماسكة وتقديم تجربة بصرية ونفسية مقلقة.
لكن المشكلة تكمن في أنّ المسار الذي رسمه فيليبو ولانثيموس أصعب مما يبدو، وأنّ كريم عينوز ــــ رغم جرأته ـــــ يتعثر أحياناً في تقليد الأسلوب الغريب، شبه الميتافيزيقي، للثنائي اليوناني. صرامته الشكلية ورغبته المستمرة في المفاجأة، لا الاستفزاز فحسب، تمنحان الفيلم طابعاً تربوياً يشرح أكثر مما يلمّح، ويقوّض الغموض الذي يحتاجه هذا النوع من السرد.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
