عاصم الزعبي
انطلقت يوم الجمعة الفائت، أعمال مؤتمر ميونخ للأمن في ألمانيا، في دورته الثانية والستين بمشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة ونحو 100 وزير دفاع وخارجية، حيث يعتبر هذا المؤتمر أبرز المؤتمرات أبرز المؤتمرات العالمية في مجال السياسة الأمنية، ويجمع سنويا في مدينة ميونخ الألمانية مئات من صانعي القرار من مختلف دول العالم، بما فيهم سياسيون ودبلوماسيون وعسكريون وباحثون، لمناقشة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه النظام الدولي.
وبحسب خبراء فإن المؤتمر في نسخته الحالية هو أكثر المؤتمرات تعقيدا واضطرابا، منذ نهاية الحرب الباردة، بسبب المتغيرات الدولية خلال العام الأخير وزيادة الصراعات المسلحة، وسط ضعف وتآكل المنظومة الدولية التي اعتادت تطبيق قواعد معينة لإدارة النظام العالمي.
سوريا شاركت في المؤتمر بوفد حكومي، برئاسة وزير الخارجية، أسعد الشيباني ومسؤولين آخرين، في حضور كان لافتا للجمهورية العربية السورية، بعد التخلص من حقبة نظام الأسد البائد، وتعتبر المشاركة السورية مهمة ضمن التطورات العالمية الأخيرة ونتيجة للانفتاح السوري على المجتمع الدولي واستعادة سوريا لعلاقاتها المقطوعة سابقا مع مختلف الدول وخاصة الدول الغربية، حيث كان حصاد مشاركة وزارة الخارجية والمغتربين في أعمال مؤتمر ميونخ للأمن، تمثل في 20 لقاء مع وزراء خارجية ومسؤولين حكوميين ورؤساء منظمات دولية وشخصيات رفيعة، فضلا عن الفعاليات والأنشطة الإعلامية.
العدالة الانتقالية في سوريا حاضرة في المؤتمر
على هامش المؤتمر، أجرى الوفد السوري برئاسة الوزير الشيباني اجتماعات عديدة مع نظرائه من عدة دول ومسؤولين غربيين، إلا أن أحد أبرز الاجتماعات كان مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية.
ووفق مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين، عقد وزير الخارجية والمغتربين السيد أسعد حسن الشيباني اجتماعا على هامش مؤتمر ميونخ للأمن مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، جرى خلاله بحث ملفات العدالة الانتقالية وسبل محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وفي مقدمتهم المجرم بشار الأسد وعدد من رموز النظام المخلوع، ويعد هذا اللقاء الأول من نوعه.
والاجتماع الذي عقده الوزير الشيباني مع رئيسة المحكمة توموكو أكاني يعد من الاجتماعات المهمة في مسار تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا، التي تعد أحد أسس بناء الدولة السورية الجديدة. ويبرز هذا الاجتماع مدى انفتاح الدولة السورية على التعاون في هذا الملف مع المحكمة الجنائية الدولية في مرحلة قادمة، والجدية من قبل الحكومة السورية في محاسبة المجرمين ومرتكبي الانتهاكات بحق السوريين وملاحقتهم في أي مكان يتواجدون فيه.
إلا أن فكرة التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة المجرمين قد تبدو غير متوفرة حاليا، فسوريا غير موقعة على ميثاق روما الناظم لهذه المحكمة، كما لم يطرح مشروع في مجلس الأمن الدولي لتحويل ملف الانتهاكات في سوريا إلى المحكمة، ما قد يدفع إلى التساؤل حول ما ستقوم به الحكومة في هذا المجال: هل سيكون هناك انضمام إلى اتفاقية روما، أم سيكون هناك تعاون على المستوى الاستشاري والقانوني وفق القوانين والمعاهدات الدولية ذات الصلة؟
لكن بحسب مختصين في القانون الدولي، فإن مثل هذا الاجتماع يجري للمرة الأولى في تاريخ سوريا، ما يعني أن الدولة السورية تسير بخطى ثابتة وحقيقية نحو تحقيق العدالة. كما أن الإجراءات التي تم تنفيذها سابقا، وأهمها تشكيل كل من “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” و”الهيئة الوطنية للمفقودين” بمرسومين تشريعيين في أيار الماضي، تعد نقطة تحول غير مسبوقة في مسألة العدالة والمحاسبة في سوريا، وفي كشف الانتهاكات وتحقيق عملية المساءلة تجاهها.
ويرى المختصون أيضا أن مثل هذا الاجتماع، وما قد يخرج عنه من تفاهمات للتعاون، على الأقل خلال المرحلة الحالية، قد يدفع ملف العدالة الانتقالية في سوريا إلى التحرك بشكل أسرع، ويخرجه من بعض الجمود الذي يحيط به حتى الآن. وهذا الأمر ينتظره مئات آلاف السوريين منذ سقوط نظام الأسد لملاحقة ومحاسبة المجرمين.
وكان خبراء أكدوا في وقت سابق لصحيفة “الثورة السورية” أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يحتاج إلى عمل في أكثر من اتجاه. فالهيئة نفسها لا بد أن ينطلق عملها بشكل أكثر واقعية وأكثر جدية، من خلال الوصول إلى الحقائق والوثائق والتحقيق في الانتهاكات، والقدرة على طلب إصدار أوامر قضائية. ولهذا لا بد من تشكيل بنية متكاملة قادرة على أداء هذه الأدوار بعيدا عن البيروقراطية المعروفة في الدوائر والمؤسسات الحكومية، خاصة أن مؤسسة مثل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” تختلف شكلا ومضمونا عن بقية مؤسسات الدولة.
كما أن ذلك يتطلب سن تشريعات جديدة وبشكل سريع، يمكن من خلالها تحقيق مسار العدالة الانتقالية في سوريا بما يضمن نجاحها وتحقيق الأهداف المرجوة منها. كذلك فإن العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن تنفيذها بالكامل بالاعتماد على القوانين الحالية، لأنها لا تغطي الجرائم الكبرى المرتكبة، مثل الإخفاء القسري والتعذيب وجرائم الحرب، كما أنها لا تضمن حقوق الضحايا في جبر الضرر والتعويض، ولا تنص بوضوح على عدم سقوط الجرائم الخطيرة بالتقادم، ولا تحمي الشهود، ولا تضمن سرية البيانات.
اجتماعات سياسية في المؤتمر
على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، عقد الوزير الشيباني اجتماعات عديدة مع مسؤولين ووزراء خارجية، تناولت العلاقات الثنائية بين سوريا ودول عدة، إضافة إلى التطورات في سوريا والإقليم والتطورات الدولية، والدور السوري المتصاعد في العديد من الملفات.
وجرى اجتماع يوم الجمعة بين الوزير الشيباني ووزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية ماركو روبيو، وخلال اللقاء جرى بحث أبرز التطورات المحلية والإقليمية، مع التأكيد على وحدة الجمهورية العربية السورية وسيادتها وسلامة أراضيها.
وأكد الجانب الأميركي دعم الولايات المتحدة الأميركية للحكومة السورية واتفاق الاندماج الأخير مع قوات سوريا الديمقراطية، وجهود الدولة السورية في مكافحة تنظيم “داعش”. كما تناول اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تطويرها في مختلف المجالات.
والتقى الوزير الشيباني عددا من الوزراء العرب والأجانب، إذ التقى وزير خارجية دولة الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، ووزير خارجية دولة قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ووزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ومسؤولين آخرين.
وهذه الاجتماعات التي وصفت بالمكثفة ارتبطت بالعلاقات الثنائية بين سوريا والدول الأخرى وكيفية تطويرها بما يخدم الشعوب، إضافة إلى متابعة متكاملة للتطورات الإقليمية والدولية.
اهتمام سوري بالمشرعين والمنظمات
لم تقتصر الاجتماعات التي عقدها الوفد السوري برئاسة الوزير الشيباني على وزراء الخارجية، بل امتدت لتشمل مشرعين أميركيين ومسؤولي منظمات مدنية ودينية، وهو ما يظهر اهتمام الدولة السورية بالتعامل مع جميع المستويات في الدول الأخرى.
فقد أجرى الوفد السوري اجتماعات مع أعضاء من الكونغرس الأميركي برئاسة السيناتور جين شاهين، تم خلالها بحث آخر المستجدات في المنطقة، وعملية الدمج الأخيرة لقوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية، والتي حققت الدولة السورية فيها تقدما كبيرا.
وعملية الاندماج التي لاقت ترحيبا دوليا واسعا من الدول والمنظمات الدولية أثبتت حقيقة رغبة الدولة السورية في أن يكون جميع السوريين تحت مظلة الدولة الموحدة المبنية على قانون يسود فوق الجميع، والانتماء وفق مبدأ المواطنة دون أي تفرقة بين السوريين.
كما التقى الوزير الشيباني بالمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، وجرى بحث سبل التعاون في القضايا الإنسانية ذات الصلة بملفي اللاجئين والنازحين، ودعم عودة آمنة وطوعية وكريمة للاجئين السوريين من دول اللجوء.
والتقى الوزير الشيباني أيضا رئيس الأساقفة وزير العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية بول ريتشارد غالاغر، وتطرق اللقاء إلى الأوضاع الراهنة في سوريا.
ومشاركة سوريا المهمة وغير المسبوقة في أحد أهم المؤتمرات الدولية، مؤتمر ميونخ للأمن، أثبتت مدى التقدم الذي حققته سوريا خلال فترة قصيرة على مستوى العودة إلى المجتمع الدولي بشكل عام، والمجتمع الإقليمي والعربي، ما أسهم في عودة سوريا إلى مكانتها الحقيقية في العالم.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
