عبد الحميد غانم
وسط توقعات بتحقيق نمو اقتصادي يصل إلى 10 بالمئة خلال العام الجاري، تنقسم آراء الأوساط الاقتصادية بين متفائل يرى في الرقم بداية طريق الخروج من نفق مظلم طويل، ومتشكك يعتبره حلماً بعيد المنال في ظل تركة الدمار والانهيار.
وتوقع وزير المالية محمد يسر برنية، أن يتضاعف نمو الاقتصاد في 2026، بعد أن بلغ نحو 5 بالمئة خلال عام 2025، مع الإشارة إلى أن قاعدة المقارنة بالعام الأسبق منخفضة.
وقال برنية: “هناك زخم الآن، وندخل عام 2026 بتفاؤل كبير”، مشيراً إلى ترسخ الاستقرار في أنحاء سوريا، والخطوة المحورية التي اتخذتها واشنطن عبر رفع العقوبات، والعودة التدريجية للعمالة السورية الماهرة التي كانت ضمن الملايين الذين هُجّروا من البلاد.
وأضاف: “معظم العمالة العائدة من المستثمرين، ورواد الأعمال، والمثقفين.. وكل ذلك يخلق فرصاً جيدة ويجعلنا متفائلين جداً حيال أدائنا الاقتصادي”.
وبحسب الإحصاءات المتوفرة لدى البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بين 2010 و2022 بأكثر من 53 بالمئة، إذ بلغ نحو 67.54 مليار دولار في عام 2011، وانخفض إلى 23.6 مليار دولار في عام 2022،
وبين التفاؤل بحجم التعافي، والتحذيرات من التحديات الداخلية والخارجية، تتباين الآراء حول الطرق المثلى لتعزيز النمو وضمان استفادة المواطنين منه.
في قراءة هذه التحديات، تستعرض صحيفة “الثورة السورية” أربع رؤى لخبراء اقتصاديين، تحاول استشراف المرحلة المقبلة ورسم خارطة طريق للاقتصاد السوري في عام 2026 وما بعده.
رقم غير مسبوق
يتفق الخبراء على أن الرقم الذي أعلنه وزير المالية “كبير وغير مسبوق”، لكنهم يختلفون في درجة التفاؤل وشروط تحقيقه. فبينما يراه البعض ممكناً في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، يحذر آخرون من قراءته خارج سياقه الحقيقي.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن أي اقتصاد يخرج من حالة انكماش عميق يمكن أن يسجل نسب نمو مرتفعة خلال فترة قصيرة.
ويوضح: “جزء من هذا النمو المتوقع قد يكون ببساطة انعكاساً لتحسن نسبي بعد سنوات من الانهيار، وليس طفرة إنتاجية حقيقية، فالنمو من قاعدة منخفضة يبدو دائماً أكبر مما هو عليه في الواقع”.
ويرى رحال أن تخفيف العقوبات الأميركية يمثل عنصراً مهماً، لكنه يحذر من اختزال المشكلة الاقتصادية بالعقوبات فقط، مشيراً إلى تحديات داخلية لا تقل تأثيراً، بينها ضعف البنية التحتية، وهشاشة القطاع المصرفي، والبيئة الاستثمارية المتقادمة، إضافة إلى قطاع إنتاجي أُنهكته سنوات الحرب.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً في تقدير رحال ليس “كم سنحقق؟” بل “من سيستفيد؟”، ويحذر: “إذا بقي النمو محصوراً في قطاعات محدودة أو مدفوعاً بإنفاق ظرفي، فسيكون أثره الاجتماعي محدوداً. لا شك أن الامتحان الأصعب يبدأ بعد تحقيق الرقم، والسؤال.. كيف نحافظ على الزخم؟ وكيف يتحول النمو من رقم في تصريح رسمي إلى تحسن ملموس في حياة الناس؟”.
حد أدنى
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عايش، أن سوريا بحاجة إلى معدلات نمو استثنائية تتجاوز 10 بالمئة، مستنداً إلى قراءة رقمية دقيقة لحجم الخسارة التي مني بها الاقتصاد السوري.
ويقول عايش: “بعد سنوات من الحرب التي أدت إلى خسارة فادحة تجاوزت 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن معدلات النمو التقليدية لن تكون كافية”.
ويضيف: “تعويض الفاقد الهائل، وتحسين مستويات الدخل الفردي، وإيجاد فرص عمل لملايين السوريين (المقيمين والنازحين والعائدين)، كلها أهداف تستدعي معدلات نمو استثنائية تتجاوز 10 بالمئة سنوياً”.
ويستدل عايش بتجارب دول كبرى، مشيراً إلى أن الهند تحقق نمواً بنحو 7 بالمئة، فيما حافظت الصين على معدلات نمو تجاوزت 10 بالمئة لثلاثة عقود متتالية.
ويؤكد: “سوريا بحاجة لأن يكون هدفها الأولي 10 بالمئة كحد أدنى، بل يجب أن تشهد السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة انطلاقة واسعة بمعدلات أعلى من ذلك”.
ويكشف عايش عن تطورات لافتة تدعم تفاؤله، منها بدء تحركات استثمارية كبرى تشمل دخول شركات أميركية في قطاع النفط، وإبرام اتفاقيات لتطوير قطاع الكهرباء، إلى جانب تفعيل حزمة اتفاقيات مع دول عربية وأوروبية تغطي مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
فرصة غير مسبوقة
يضع الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، رؤية مستقبلية تمتد حتى العام 2035، مرتكزاً على تحليل المزايا النسبية الفريدة التي تمتلكها سوريا. ويقدم قراءة مغايرة للدمار نفسه، معتبراً إياه “فرصة استثمارية غير مسبوقة” بحجم يتراوح بين 300 و900 مليار دولار.
ويتوقع عياش أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي معدلات نمو سنوية تتراوح بين 13 – 17 بالمئة خلال السنوات الخمس (2026-2031)، ما يمكن الاقتصاد من استعادة 90 بالمئة على الأقل من مستويات ما قبل 2011، ليصل إلى حوالي 55 مليار دولار.
ويحدد عياش ثلاثة مبادئ أساسية لتحقيق هذه الرؤية، أولها الاستثمار أساس السيادة والاستدامة، عبر جعل الاستثمارات الداخلية والخارجية المحرك الرئيسي لتمويل إعادة الإعمار، بدلاً من الاعتماد على القروض والمساعدات التي قد ترهق الأجيال القادمة.
وثانياً، جعل الاقتصاد ركيزة الاستقرار المجتمعي، من خلال مفهوم العقد الاجتماعي القائم على المصالح المشتركة بين الشعب والسلطة، حيث يرسي الاقتصاد القوي دعائم الأمن والأمان ويحقق التنمية والرفاه.
أما ثالثاً، يرى عياش أن الاقتصاد بوصلة السياسة الخارجية، عبر بناء شراكات اقتصادية قوية مع مختلف الأطراف الدولية تفضي تلقائياً إلى علاقات سياسية مستقرة.
ويرسم الخبير صورة طموحة للتحولات القطاعية، متوقعاً أن تتحول سوريا إلى أكبر سوق للخدمات في المنطقة بحلول 2035، مع صعود الخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات والتعليم العالي والرعاية الصحية المتخصصة، إلى جانب تكامل قطاعي بقيادة الخدمات اللوجستية يربط الزراعة والصناعة والتجارة في حلقة إنتاجية متكاملة.
ويختتم عياش رؤيته بتأكيد واثق: “الاقتصاد السوري يمتلك جميع الموارد والقدرات والمزايا المحلية والخارجية التي تؤهله لأن يكون الاقتصاد الأسرع نمواً في الشرق الأوسط خلال العقد القادم”.
ثقة المستثمرين
وسط هذه الرؤى الطموحة، يشير رجل الأعمال المغترب الدكتور محمد البراك، إلى مسألة الثقة، ومن موقعه كرجل أعمال سوري مغترب في الولايات المتحدة، يقدم قراءة مختلفة للتحديات التي تواجه جذب الاستثمارات، خاصة المغتربين.
ويؤكد البراك أن المشكلة الأساسية للمستثمرين المغتربين لا تكمن في ارتفاع مستوى المخاطر بذاته، وإنما في “غموضها وتقلبها”.
ويوضح أن “المخاطر المحددة والمعروفة يمكن وضعها في نماذج مالية ووضع آليات للتعامل معها. أما المخاطر التي تعتمد على الاستثناءات والعلاقات الشخصية والوساطات، أو التي تتبدل ملامحها مع الوقت، فتشكل تحدياً كبيراً يدفع الشركات الكبرى إلى التريث أو الانسحاب”.
ويشير إلى أن المستثمر الذي يثق باستقرار القواعد وبأن الدولة ستتعامل معه وفق قانون واضح، يصبح أكثر استعداداً لتحمل مخاطر قد لا يتحملها في ظروف أخرى. ويحذر: “عندما يدرك المستثمر أن القواعد قابلة للتغيير المفاجئ، فإنه يشرع في حساب تكلفة غير الواضح وغير اليقين، والتي غالباً ما تفوق أي عائد متوقع”.
كما يلفت البراك إلى إشكالية جوهرية في البيئة الاستثمارية السورية تتمثل في أن “المسار الإداري للاستثمار يشبه رحلة طويلة بين جهات متعددة، تملك كل منها قدرة على التعطيل أكثر من قدرتها على الحسم”.
ويضيف: “هذه البيئة تخلق تكلفة غير مرئية تتمثل في الوقت الضائع، إذ يتسرب الزمن في تكرار الطلبات وتعدد التفسيرات، والوقت في عالم الاستثمار هو رأس مال معطل، وفائدة ضائعة، وفرص سوقية تخسر لصالح المنافسين”.
ويشدد على أن بناء الثقة يتطلب “بنية تواصل وشفافية”، إذ “كلما زاد الغموض، زادت مساحة الإشاعة، وكلما زادت مساحة الإشاعة ارتفعت المخاطر، ثم تتحول المخاطر إلى سعر أعلى للسلع والخدمات، فتتأذى السوق المحلية نفسها”.
ما تتفق عليه جميع الرؤى هو أن الاقتصاد السوري يملك بالفعل مقومات الانطلاق، وأن الفرصة التاريخية المتاحة اليوم قد لا تتكرر. لكنها تتفق أيضاً على أن تحقيق هذا الانطلاق يتطلب إرادة حقيقية للإصلاح، وإدارة اقتصادية بكفاءة عالية، ورؤية طويلة المدى تضع مصلحة المواطن في صميم أولوياتها.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
