بتول الحكيم
مضى حوالي 9 أشهر على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تشكّلت بمرسوم رئاسي كهيئة مستقلة في أيار 2025، كإحدى مخرجات الحوار الوطني السوري، استناداً إلى المادة 49 من الإعلان الدستوري، الذي نصّ على إحداث هيئة وطنية للعدالة الانتقالية بهدف كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها النظام المخلوع، ومحاسبة الضالعين بها، وجبر ضرر الضحايا وذويهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وتم تعيين عبد الباسط عبد اللطيف رئيساً للهيئة، وزهرة نجيب البرازي نائباً له، فيما تتضمن لائحة الأعضاء: «أحمد سيفو السيفو، جمانة رياض سيف، حسن محمد جبران، محمد خير محمد أيوب، محمد الدغيم، أحمد حزرومة، فتاة صقر، تركي عبد الحميد، رديف أنور، رند صباغ».
وفي إطار متابعة عمل الهيئة والجهود التي قامت بها في الفترة الماضية والمنجزات التي حققتها في إخراج قانون العدالة الانتقالية، التقت صحيفة الثورة السورية عضو الهيئة محمد الدغيم، الذي افتتح حديثه بالإشارة إلى حداثة مصطلح «العدالة الانتقالية»، إذ نشأ في الثمانينات وتعزّز في التسعينات، وهو يشير إلى «منظومة متكاملة من التدابير القضائية وغير القضائية، تهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي التي تم ارتكابها في دولة ما من خلال مسارات عدة تخضع لخصوصية الحالة وحجم الانتهاكات وطبيعة الصراع، وصولاً إلى كشف الحقيقة، وتكريس مبدأ المحاسبة والمساءلة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار، وتحقيق المصالحة الوطنية والسلم الأهلي».
وأوضح الدغيم أن عمل اللجنة الفعلي بدأ منذ ستة أشهر، قامت اللجنة خلالها بإعداد المسار النظري المتعلق بمسارات العدالة الانتقالية التي ذُكرت سابقاً، بناءً على الاطلاع على كافة تجارب العدالة الانتقالية في دول العالم، من أميركا اللاتينية وأفريقيا والبوسنة والهرسك إلى الدول الآسيوية التي مرّت بحالة مشابهة للسياق السوري، مؤكداً أن الحالة السورية هي الحد الأقصى بين التجارب سواء من حيث طبيعة الانتهاكات أو حجمها، ثم وُضعت خطة استراتيجية ومقاربة لتحقيق الهدف.
الهيئة تطّلع على تجارب الدول في العدالة الانتقالية
وفي السياق، زارت الهيئة دير الزور وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس وريف دمشق ودرعا وإدلب، ثم زارت على مستوى المناطق عفرين وسلمية والقريتين وتدمر، وشاركت بفعاليات على صلة وثيقة بالمجازر والانتهاكات بهدف لقاء الضحايا وذويهم والمتضررين بشكل مباشر أو غير مباشر، وتبادل الأفكار معهم، ومشاركتهم في التوصيات التي يتم رفعها، والتي تساهم في إعداد الاستراتيجية العامة لعمل الهيئة، بالإضافة إلى الاطلاع على رؤيتهم لـ«جبر الضرر» و«المساءلة والمحاسبة»، وتعريفهم بأدوات المساءلة والمحاسبة وآليات حفظ الذاكرة، ومشاركتهم في القرار بوصفهم الرافعة الحقيقية لمسار العدالة الانتقالية ومحور عملها.
وزارت الهيئة أيضاً ألمانيا للاطلاع على تجربتها في التوثيق وحفظ الوثائق، وشاركت في ورش عمل متعلقة بالعدالة الانتقالية ومؤتمرات في فرنسا وهولندا، مشيراً إلى أن زيارة رواندا كانت الأكثر أهمية بهدف التعرف إلى تجربتها مع ملف العدالة الانتقالية، وكيف جبرت الضرر وعوضت للضحايا، حيث فقدت رواندا مليون شخص خلال 40 يوماً.
وحول الدلالة الزمنية لتحديد ولاية الهيئة عام 1970، أوضح الدغيم أن المرحلة ما بعد الاستقلال وحتى 1963 لم يتحقق فيها الاستقرار التام في الحكم بسوريا، وتَتَالَت الانقلابات السياسية، ولم تظهر حينها مظاهر الغلو في القمع، ولكن منذ 1970 أخذت ملامح خطيرة تتشكل وتتسم بتركيز السلطة في يد واحدة، وشيوع مبدأ فصل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وبدأ تغوّل الأجهزة الأمنية في مفاصل الدولة والمجتمع، ما أدى إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تمثلت بمظاهر الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج، والقتل خارج إطار القانون، والإعدام من دون محاكمات، واستخدام القضاء الاستثنائي كأداة لتصفية المعارضة السياسية، ومصادرة الحريات العامة، بالإضافة إلى تقييد الصحافة والإعلام، ما تسبب في تجذر ثقافة الخوف والإفلات من العقاب، وتكريس مفهوم الدولة الأمنية التي تغيب فيها المساءلة والمحاسبة، وتُختزل فيها مفاهيم الوطنية لصالح الولاء للنظام وليس الدولة، وتُقصى الكفاءات على حساب الانتماء السياسي، ما يؤدي بالضرورة إلى شيوع الفساد والانتهاكات، وانهيار الثقة بين المواطن والدولة، وتراجع الانتماء الوطني لمصلحة العصبيات والانقسامات المجتمعية والطائفية.
وعلّق الدغيم على تصريح سابق له بأنه «لا يوجد شيء اسمه مجازر الساحل»، والذي أثار جدلاً في الأوساط المتابعة، بأن المصطلح تم تسويقه من قبل البعض من دون وجه حق، ودون الاستناد إلى أساس قانوني، ولم يكن لائقاً سياسياً بالمرحلة التي وقعت بها الأحداث، والتي بدأت بهجوم مسلح من قبل مجموعات مسلحة وتشكيلات منظمة في الساحل، مكوّنة من فلول النظام المخلوع وجلاديه، معلنة الخروج عن سلطة الدولة، مطالِبةً بإصدار عفو عام مطلق، تلميحاً بأن السلم الأهلي والاستقرار مقابل العفو العام المطلق، ما يجعل التوصيف القانوني لما جرى «تمرداً عسكرياً» ضد الدولة، موضحاً أن تقارير لجنة التحقيق واللجان الدولية أكدت أن الفتيل أُشعل بمقتل 240 عنصر أمن في الساحل، معرباً عن أسفه لوقوع الضحايا من الأبرياء والمدنيين من كافة الأطراف.
قانون العدالة الانتقالية سيشمل جرائم النهب والفساد
وحول قانون العدالة الانتقالية وشموليته، أكد الدغيم أنه يشمل التهجير القسري، والتجنيد القسري، وجرائم الفساد والنهب «الجرائم الاقتصادية»، إذ استغل الكثيرون النفوذ ودعم السلطة لنهب مقدرات الشعب السوري، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، وساهموا في تمويل الميليشيات الداعمة للنظام المخلوع، إلى جانب ضلوعهم في غسل الأموال، وتهريب الموارد الوطنية، وتنشيط معامل الكبتاغون، واستولوا بطرق غير مشروعة على ممتلكات منقولة وغير منقولة لأسباب سياسية أو طائفية، ما يعني أن القانون سيشمل كل من ضَلَع في دعم الانتهاكات بشكل مباشر أو غير مباشر.
ولفت إلى أهمية مسار ضمان عدم التكرار عبر الإصلاح المؤسسي في إرساء معالم العدالة الانتقالية، ويعود ذلك إلى أن إصلاح المؤسسات هو الخطوة الأهم لمنع تكرار الانتهاكات التي حدثت عن طريق المؤسسات أو القائمين عليها، ما يتطلب إعادة هيكلة عدة أجهزة، خاصة المتورطة منها في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة وإساءة استعمال السلطة، مؤكداً ضرورة إنهاء بعض الأجهزة بهدف إزالة الأسباب والعناصر التي أدت إلى ارتكاب الانتهاكات، بما يضمن تعديل أنماط ممارسة السلطة تجاه الشفافية والنزاهة ومراعاة حقوق الإنسان، ما يستوجب اتساع إجراءات العدالة الانتقالية لضمان ترسيخ سيادة القانون التي يجب أن تحكم عمل المؤسسات، مشيراً إلى أنه لمس هذه التحسينات في بعض مؤسسات الدولة اليوم من تحول في السلوك والرؤية والهدف، كما في وزارتي الدفاع والداخلية، مع التأكيد على وجود بعض الأخطاء التي يجب التنويه لها، لافتاً إلى أن الإصلاح المؤسسي لا يعني هدم المؤسسات، وإنما تفكيك منظومة الفساد التي شاركت بالقمع والاستبداد.
ويرى الدغيم أنه لا يمكن استيفاء متطلبات هذا التحول دون تكوين تصور كامل لإصلاح أهم ثلاث مؤسسات، وهي: الأمن والقضاء والإعلام، لافتاً إلى أن المعالجة تحتاج إلى التدرج وتفكيك منظومة القمع والاستبداد في كافة الدوائر.
ملاحقة مجرمي الحرب خارج سوريا
وحول مسار ملاحقة مجرمي الحرب خارج سوريا، تحدث الدغيم عن وجوب توفر ثلاث إرادات لتطبيق العدالة الانتقالية، وهي: الإرادة الدولية، والإرادة الحكومية، والإرادة المجتمعية، مبيناً أن ليست كل الدول تؤيد تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا، نظراً لتورط كثير من الدول في الانتهاكات التي طالت الشعب السوري خلال 14 عاماً، ما يشكل عائقاً في تسليم مجرمي الحرب الذين فروا إلى هذه الدول، إلى جانب المفاعيل السياسية، إذ إن كثيراً من الدول تساوم على أجندة مقابل تسليم بعض الشخصيات، مؤكداً أنه لا بد من ملاحقة هؤلاء عن طريق المحاكم الدولية أو محاكم الدول التي يتواجدون فيها.
ويرى أن السلم الأهلي والمصالحة لا يمكن تحقيقهما دون كشف الحقيقة، ومن ثم المساءلة والمحاسبة وجبر ضرر الضحايا، وهذه مبادئ العدالة الانتقالية التي تهدف إلى الانتقال من مجتمع الفوضى إلى مجتمع الاستقرار، ومن مجتمع الاستبداد إلى دولة العدالة والقانون، عبر إجراءات قضائية تعيد الحق للضحايا، وتصحيح إرث الماضي، ومعالجة آثار الحرب والانتهاكات، وصولاً إلى إعادة توزيع الثروات وتحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية والوصول إلى السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، لافتاً إلى أن ضمان عدم تحول مسار العدالة إلى عدالة انتقائية أو مسار سياسي يتمثل في وجود إطار تشريعي تتم المصادقة عليه من مجلس الشعب، والرقابة الشعبية لمكتسبات التحرير.
ويختم الدغيم حديثه بتوجيه رسالة لكل من ينتقد مسار العدالة الانتقالية بأنه من المبكر جداً أن نفقد الثقة بالمسار، ويطالب المواطنين بالصبر، مؤكداً أن كلاً من منظمات المجتمع المدني والدول المعنية أشارت إلى أن الأمر الأكثر صعوبة هو إدارة سقف توقعات الضحايا، فالعدالة تأخذ مجراها ولكنها تحتاج إلى الكثير من جهود المقاربة والتسديد، نظراً لصعوبة المرحلة التي تمر بها البلاد وضخامة حجم الانتهاكات، والمعالجة تحتاج إلى تدرج مرحلي ومراعاة العامل الزمني في التغيير والتحصيل والمحاسبة، بالإضافة إلى المشاركة من كافة فعاليات المجتمع للانتقال إلى دولة سيادة القانون والعدالة.
اخبار سورية الوطن 2 _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
