شفيق طبارة
بين ميثولوجيا قابيل وهابيل وواقعية الصراع على الأرض، يشرّح المخرج التركي أمين ألبر في فيلمه «خلاص» آليات العنف البشري. في هذا العمل المشارك في «مهرجان برلين السينمائي» الحالي، تطغى نبوءات الدم والمؤامرات على الحقيقة، ممهدةً الطريق لجريمة قتل جماعية لا مفر منها
ظلالٌ تمشي قبل أصحابها، أشباح تتجوّل، أحلام تتداخل مع اليقظة، تُلقي صوراً لا يعرف أحد إن كانت نبوءات أم هلوسات. حكاياتٌ تُروى على عتبات البيوت، تتشابك مع خرافات قديمة، ودين يُستدعى حين يضيق العالم، وأساطير تُعاد صياغتها كلما احتاج الناس إلى معنى. ثم تأتي المؤامرات، تلك التي تُنسج في العتمة، تُغذّي الخوف وتُعيد ترتيب العلاقات بين البشر.
وسط كل ذلك، تقف جريمة قتل جماعية حقيقية: رجال ونساء وأطفال عُزّل يُساقون إلى الذبح. هذا هو الجرح الذي يفتحه المخرج التركي أمين ألبر في فيلمه الجديد «خلاص» (Salvation)، المشارك في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان برلين السينمائي الدولي». فيلم يبدو في ظاهره عن نزاع طويل على قطعة أرض، لكنه في الحقيقة يشرّح آليات العنف نفسها وتحوّله من همس داخلي إلى عاصفة لا يمكن ردها.
قبل سنوات، ومع اشتداد الهجمات في جبال تركيا الوعرة، وجد الهزاريون أنفسهم فجأة في موقع لم يختاروه. خدم ومزارعون سابقون تحوّلوا إلى مقاتلين، دفعوا ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهابيين، لكنهم نجحوا في حماية الأرض إلى جانب قوات الدولة.
وحين هدأ كل شيء تقريباً واستعادت المنطقة شيئاً من استقرارها، عاد الهزاريون الذين هاجروا إلى المدينة، إلى قريتهم في الوادي، حاملين معهم وثائق الملكية الرسمية لاستعادة الحقول التي تركوها خلفهم، وكانوا يزرعونها طوال سنوات الغياب.
هنا يبدأ الشرخ. الإحباط يتصاعد في القرية الجبلية الفقيرة، والاحتكاكات الصغيرة تتحوّل إلى حوادث، بعضها عنيف، وبعضها أشبه بإنذار مبكر لا يريد أحد أن يسمعه. شيخ القرية، فريد (فياض دومان)، يحاول بكل ما تبقى لديه من حكمة أن يمنع الانفجار. يفاوض ويهدّئ. لكن شقيقه الأكبر، مسعود (جانر سندوروك)، يسلك طريقاً آخر تماماً. الغضب ينهشه، الغيرة تعميه، والشك يلتهم ما تبقّى من اتزانه. لم يعد ينام. رؤاه الليلية تتحوّل إلى أوامر، كأنها رسائل من عالم سفلي تُطالبه بالقضاء على البزاريين نهائياً.
كل ذلك يحدث في ظل صراع أكبر تخوضه الدولة ضد إرهابيين مجهولين. وفي هذا المشهد المتصدّع، تقف القريتان الغارقتان في مرارة تاريخ طويل. واحدة معلّقة على صخرة جبل شاهق، متشعبة كشبكة كهوف، محصّنة بطبيعتها، والأخرى في الأسفل، منبسطة ومكشوفة، بلا دفاعات. كم مضى على هذا الصراع بين العشيرتين؟ لا أحد يعرف.
ربما عقود، ربما قرون. المهم أنّ الضغائن متجذّرة. وسرعان ما تبدأ الشرارات بالظهور في كل مكان. نظرات، شجارات، اتهامات، أصوات مكتومة في الليل. كأن الحرب بكل دمها تنتظر وراء الباب.
إنها قصة مروّعة إلى حدّ يصعب احتماله، تُروى عبر صور آسرة الجمال. يمكن للمرء، بسهولة، أن يمدّ خيطاً بين ما يحدث في الفيلم وما يعيشه العالم اليوم. انتشار نظريات المؤامرة، هشاشة الحقيقة، وكيف يمكن للخوف أن يتحوّل إلى منظومة كاملة تمهّد للعنف. تكمن إحدى أعظم نقاط قوة «خلاص» في قدرته على تصوير الشعور الجماعي بالخطر الذي يخيّم على القرويين.
العلامات تتوالى بسرعة تكاد تبدو مبالغاً فيها. حقل محترق، عواصف غريبة، طفل يمشي أثناء نومه، فتاتان توأمان متطابقتان تربيان الماعز، ونقاشات دينية نظرية حول احتمال الخلط بين قابيل وهابيل. كل شيء يتحوّل إلى نذير. كل تفصيل يصبح علامة. الجو مشحون بقلق دائم.
يستخدم ألبير رؤى مسعود الليلية، تلك الأحلام المزعجة التي تحرّضه على قلب النظام القائم، كقوة دافعة تُربك الشخصيات والجمهور معاً. تتكرّر هذه الرؤى، تتلوّن، وتتضخّم، وتُجسّد الهذيان الجماعي واللاعقلانية التي تولد من كراهية متصاعدة. لكن ما إن ينجرف المشاهد في دوّامة الأحداث المتسارعة، حين يبدأ العنف المتأجج بالبحث عن منفذ، حتى يفاجئنا أمين ألبير بتوقّف مفاجئ. يجمّد اللحظة، يقطع الإيقاع، ويقحم حواراً مطوّلاً آخر أو صورة مبهرة أخرى، ما يضعضع السرد، ويطوّل الفيلم بلا داع، ويخفف من حدة التوتر.
يحمل فيلم ألبير توتراً كثيفاً، ومع ذلك يتوقّف فجأة. يجمّد الإيقاع في لحظات ملهمة. خطابات قوية، أناشيد صوفية تتردّد من داخل المسجد، أصواتٌ تشبه صلاة جماعية. وفي النهاية، حين تكتمل الدائرة، ندرك أن كل تلك التوقّفات، كل تلك الأناشيد والصور البديعة، لم تكن سوى خطوات صغيرة نحو موت كان ينتظر بصبر، موت لا يترك مجالاً للالتفاف أو النجاة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
