آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » أميركا الإبستينية

أميركا الإبستينية

 

بشار اللقيس

 

هل تحتاج أميركا إلى سياسات خارجية حقّاً؟ لا أحبّ عادة أن أبتدئ مقالاتي بعناوين مدرسية، وإن ألحّ علينا السؤال في كلّ مرّة طالعتنا أزمة داخلية أميركية. لماذا نتحدّث عن السياسة الخارجية ربطاً بالأزمات الداخلية الأميركية؟ ببساطة لأن السياسات الخارجية الأميركية، في جزء أساسي منها، انعكاس لمزاج الداخل الأميركي. وكيسنجر نفسه، أقرّ – في كتابه الشهير الذي حمل عنوان سؤالنا – مطلع الألفية بأن ثمّة عطب بنيوي في السياسات الأميركية ناتج من عطب داخلي أكبر منه.

 

تعيد غالبية الدراسات الأكاديمية الانقسام الأميركي إلى فترتي «الصفقة الجديدة» (1933-1945) أيّام روزفلت، و«المجتمع العظيم» (1964 – 1968) أيّام ليندون جونسون. لا أشعر أن ثمّة حاجة إلى الدخول في تفاصيل هاتين الفترتين.

يكفي أن نعرف أنّ «الصفقة الجديدة» كانت طرحاً من روزفلت يقضي بتدخّل الدولة في السوق منعاً لانهيارها. وأنها كانت المنقذة للرأسمالية من الكساد العظيم والفاشية التي أطلّت برأسها من أوروبا في تلك الآونة. الصفقة الجديدة لم تكن منظوراً جديداً للدولة ودورها التدخّلي في الاقتصاد فحسب، بل رؤية أميركية جديدة للعالم، والتزاماً بمبدأ يفيد بأن «استقرار المجتمع الأميركي منعقد الصلة باستقرار النظام الدولي».

 

أمّا «المجتمع العظيم»، ورغم اعتياد المؤرخين الأميركيين على اعتباره محاولة من قبل إدارة جونسون لتهذيب الرأسمالية والمجتمع، وإعادة هندسة الفقر عبر تنظيم العدالة الاجتماعية من داخل الرأسمالية الأميركية (الحقوق المدنية، دولة الرفاه، النخب الليبرالية الساحلية)، إلا أنّه لم يكن في حقيقته تحوّلاً في حجم الدولة ودورها الاجتماعي فحسب، بل وفي معنى القوّة الأميركية وكيفية استخدامها في الخارج.

من هنا، جاء الانكسار الأميركي في فيتنام كصاعق مفجّر للريغانية في ما بعد. جونسون أراد إعادة توزيع الثروة وهندسة الفقر ودولة ناعمة في الداخل. حسناً، ما النتيجة؟ دولة مهزومة وضعيفة في الخارج.

 

ما الحلّ إذاً؟ تخفّف مؤسساتي من الأسئلة الأخلاقية في الداخل يتيح تغوّلاً أميركياً خارجياً. هذا ما عملت عليه كل الإدارات الأميركية ما بعد ريغان. خطاب ترامب نفسه المعادي لـ«أوباما كاير» يحمل في ثناياه شيئاً من هذه التركة. «دولة أخلاقية مسؤولة» بالنسبة إلى ترامب، وقطاعات واسعة من الأميركيين، يعني دولة ضعيفة في الخارج ومهزوزة، وغير قادرة على الحسم. حتى نخب الساحلين الليبرالية، المحسوبة تاريخياً على الديموقراطيين، هي لا تساوم على التدخّلية الأميركية بل على شكلها.

 

إبستين هو نبوءة نوفال هراري عن الحيوان الذي صار إلهاً بحيازته قدرات إلهية للخلق وللتدمير، وجزيرته تكثيف مادي لمفهوم الإنسان العاري أو المستثنى من الحماية القانونية بحسب جورجيو أغامبين

 

وهكذا، ومنذ الثمانينيات، لم يكن الانقسام الأميركي حول التعاطي مع العالم معزولاً عن ميراث «الصفقة الكبرى» و«المجتمع العظيم». النيوليبرالية ومدرسة شيكاغو (بنسختها الثانية مع ميلتون فريدمان وجورج ستيغلر وغراي بيكير) الصاعدتان منذ الثمانينيات في الاقتصاد، قابلهما صعود للاتّجاه ما بعد الاستعماري في حقل العلوم الإنسانية بنزعته الثقافية. أنا هنا لا أربط بين مدرسة ما بعد الاستعمار والسؤال الأميركي الداخلي بالضرورة، لكني أيضاً لا أقرأ صعود هذا التيّار بمعزل عن تسامح الحاضرة الأميركية مع نقد التاريخ الاستعماري الأوروبي حصراً. وتحت وطأة انقسام هذين التيارين جاء «الخيار الثالث» الكيلنتوني داخل حاضنة الديموقراطيين.

 

الخيار الثالث كان اجتراحاً وسطاً في التحوّل العميق داخل حقل الدراسات الشرق أوسطية. مع كلينتون تراجعت المقاربات العسكرية البحتة لمصلحة المقاربات الهوياتية بشكل كبير. لم يعد الشرق الأوسط يُقرأ من زاوية استقرار أنظمة «التركة الاستعمارية» الحليفة فحسب، بل ومن زاوية الهوية والمجتمع المدني والقوّة التمثيلية، والانفتاح الليبرالي بشكل رئيسي. وهو بالضبط ما انعكس في إدارة كلينتون فترة التسعينيات.

 

من هنا، اعتُبر كلينتون (وليس أوباما) هو خصم ترامب. الكلينتونية -في رأيي- هي نقطة التوازن بين وجهتي أميركا. والكلينتونية هي حلم الإنسان الأميركي الجديد بالديموقراطية الليبرالية وبأميركا الرسالة. الأخيرة أهم مفردة في معجم «الخيار الثالث»؛ فأميركا الرسالة هي المؤتمن الوحيد على الإنسان الجديد. يمكن أن نتلّمس أثراً لهذه الرؤى مثلاً في مقولات غير سياسية من مثل مقولات يوفال نوح هيراري في الفلسفة، أنتوني غيدنز في علم الاجتماع، وشمعون بيريز أو حتى إيهودا باراك في السياسة. هل سمعتم الحوار المسجّل بين إبستين وباراك حول إسرائيل؟ كان أكثر ما لفتني في التسجيل حديثهما عن إسرائيل كحاجة عقلية.

 

مشكلة باراك مع اليمين الإسرائيلي كما يظهر متمحورة حول دور المؤسسة الحاخامية فيها. الحاخامية تحدّ من قدرات إسرائيل بالنسبة إليه. إسرائيل بالنسبة إلى هؤلاء ليست دولة يهودية، ولا حتى دولة لليهود، هي واحدة من أدوات تجويد النوع الإنساني. لذا، يتبادل باراك أطراف الحديث مع إبستين حول ضرورة استقدام مليون روسي إلى إسرائيل (ولو كانوا من غير اليهود) مع ما يتطلّبه الأمر من الحدّ من نفوذ المؤسسة الحاخامية داخل إسرائيل. ومثل هذه الأفكار هي بالضبط ما حكم به منطق وتفكير الخيار الثالث الأميركي.

 

نحن إزاء نوع من العلمويّة التي تتقدّم برؤاها على العلمية الاشتراكية التي نادى بها اليساريون منذ أواسط القرن التاسع عشر. مزيج من اليسار الثقافي، والعلموية المفرطة، والإيمان بالرأسمالية. فيما لا تُستحضر الثقافات الطرفانية (غير الرأسمالية) فيها إلا كفانتازيا متى اقتضت الضرورة (ملاحظة: بيل كلينتون من أكثر الرؤساء زيارة للشعوب واحتفاءً بثقافاتها الهامشية). وهذه كلّها هي بالضبط ما رأيناه ماثلاً في جزيرة إبستين. إبستين هو نبوءة نوفال هراري عن الحيوان الذي صار إلهاً بحيازته قدرات إلهية للخلق وللتدمير، وجزيرته تكثيف مادي لمفهوم الإنسان العاري أو المستثنى من الحماية القانونية بحسب جورجيو أغامبين.

 

مَن أكثر المتضرّرين من فضيحة إبستين؟ كلينتون وترامب بالتأكيد، هذا صحيح. لكن، وبنحوٍ أدقّ، الكلينتونية والترامبية. ما المشترك بين هذين الاتجاهين؟ شبقهما العالمي، وتردّدهما في الحسم خارج الحدود الإمبراطورية في آن معاً. هل تشكّل فضيحة إبستين عتبة انفلات القوّة الأميركية خارجياً؟ عودة لأدبيات جورجيو أغامبين؛ قد يستولد الوصم الاجتماعي للسلطة حالة من الاستثناء، لكن الاستثناء لا يضعف الدولة البتة، بل قد يفضي إلى تغوّل السلطة بإعادة إنتاج قواعد الإدانة نفسها.

 

هل يتخيّل أحدنا أميركا الإبستينية تعيد إنتاج ذاتها وفق مقاربة «العالم = الجزيرة»؟ حجم من الاستباحة للإنسان العاري ينفلت في مشارق الأرض ومغاربها، المفارقة أننا كلّنا عراة في هذا العالم الأميركي. كلّنا ضحايا لهذا الشبق اللامتناهي.

* كاتب

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غروب الزمن الصهيوني

  كتب محمد خير الوادي : خلال نصف القرن المنصرم ، كتبت كثيرا من المقالات ” التعبوية ” ،التي تفضح الطبيعة العدوانية للصهيونية ، وتشحذ ...